طبيب مصري يقود ثورة الجراحة الصدرية في النمسا بتقنية NIVATS: 100 عملية ناجحة دون تخدير عام ترسم ملامح مستقبل الطب
فيينا دعاء أبوسعدة
طبيب مصري يقود ثورة الجراحة في قلب التحولات العميقة التي
يشهدها الطب الحديث، لم تعد الجرأة تقاس بحجم التدخل الجراحي، بل بقدرة الطبيب على تقليصه إلى الحدّ الذي يحقق الشفاء دون أن يثقل كاهل الجسد. هنا، تحديدًا، تتشكل ملامح مدرسة طبية جديدة في النمسا، يقودها العقل المصري والخبرة الأكاديمية الرفيعة للدكتور محمد سلامة، أستاذ جراحة الصدر بجامعة فيينا، ونائب رئيس قسم جراحة الصدر في Klinik Floridsdorf، ورئيس الجمعية الطبية المصرية بالنمسا.
منذ أواخر عام 2024، بدأ هذا الفريق الطبي مسارا مختلفا، لا يقوم على استعراض الإمكانات، بل على إعادة تعريفها.
فقد قاد الدكتور سلامة إدخال وتطوير تقنية NIVATS الجراحة الصدرية التنظيرية بدون تنبيب لتصبح تجربة سريرية متقدمة تطبق لأول مرة بهذا الاتساع في النمسا، مع تحقيق ما يقارب 100 عملية ناجحة خلال نحو عام ونصف فقط.

حين يتنفس المريض… تبدأ الجراحة
على خلاف الجراحات التقليدية للرئة التي تعتمد على التخدير العام والتهوية الميكانيكية عبر أنبوب تنفسي، تنطلق فلسفة NIVATS من مبدأ مغاير جذريا
إبقاء المريض في حالة تنفس تلقائي، تحت تأثير تخدير موضعي دقيق وتسكين واع.
لا يجبر الجسد على الدخول في حالة اصطناعية، بل يترك ليعمل ضمن توازنه الفيزيولوجي الطبيعي، بينما يتدخل الجراح بأدوات دقيقة عبر شقوق صغيرة دون فتح الصدر.
هذا التحول ليس مجرد تحسين تقني، بل إعادة صياغة للعلاقة بين الطبيب والجسد: من “السيطرة الكاملة” إلى “التعاون الذكي”.

100 عملية… والإنجاز في التفاصيل
رغم أن الرقم بحد ذاته يعكس خبرة متراكمة، إلا أن القيمة الحقيقية تظهر في النتائج السريرية
• انخفاض ملحوظ في الألم بعد الجراحة
• تقليل مضاعفات التخدير العام، مثل اضطرابات القلب أو الغثيان الحاد
• تسريع التعافي وخروج المرضى في وقت مبكر
• الاستغناء شبه الكامل عن وحدات العناية المركزة
• تقليل مخاطر إصابات الرئة الناتجة عن التهوية الصناعية (barotrauma)
في هذا النموذج، لم تعد العملية حدثا صادما للجسم، بل تدخلا محسوبا ضمن مسار تعاف متكامل.
دقة أعلى… بتدخل أقل
قد يبدو تقليل التدخل الجراحي مخاطرة، لكنه في الواقع يتطلب مستوى أعلى من المهارة.
نجاح NIVATS يعتمد على ثلاثة محاور حاسمة:
• اختيار دقيق للمرضى، خصوصا من لديهم أمراض رئوية مزمنة أو مخاطر تخديرية مرتفعة
• تناغم كامل بين الجراح وطبيب التخدير، باستخدام تقنيات مثل إحصار الأعصاب (ESPB) والتخدير الموجه بالموجات فوق الصوتية
• خبرة جراحية قادرة على العمل في بيئة ديناميكية مع رئة تتنفس تلقائيا
تطبيقات سريرية واسعة
تم توظيف التقنية في مجموعة من الإجراءات، أبرزها:
• استئصال أورام الرئة، بما في ذلك أول استئصال فص رئوي دون تخدير عام في النمسا
• علاج استرواح الصدر
• الخزعات التشخيصية
• جراحات الجهاز العصبي الودي لعلاج فرط التعرق
وتظهر الدراسات المقارنة أن هذه التقنية تحقق نتائج مماثلة للجراحة التقليدية من حيث الفعالية، مع تفوق واضح في تقليل مدة التخدير، الإقامة بالمستشفى، والتكاليف الإجمالية.
الاقتصاد الطبي: كفاءة بلا تكلفة إضافية
إلى جانب الفوائد السريرية، أثبتت NIVATS تفوقا اقتصاديا ملحوظا
• تقليل زمن التخدير والإجراءات المصاحبة
• خفض تكاليف الرعاية التمريضية والإقامة
• إمكانية إجراء نسبة كبيرة من العمليات كحالات يومية (outpatient)
هل نحن أمام مستقبل الجراحة؟
يرى الدكتور محمد سلامة أن هذه التقنية ليست بديلا شاملا لكل العمليات، لكنها تمثل اتجاها واضحا في الطب الحديث
الانتقال من “أقصى تدخل ممكن” إلى “أدنى تدخل فعال”.
السؤال لم يعد: ماذا يمكننا أن نفعل؟
بل أصبح: ما هو الحد الأدنى من التدخل الذي يحقق أفضل نتيجة للمريض؟
في هذا التحول، لا تقاس براعة الجراح بمدى تدخله… بل بقدرته على أن يفعل أقل، بدقة أعلى.
وهنا تحديدا، يبدأ الطب في صورته الأكثر نضجا
