من فيينا.. مصر تطرح رؤية متكاملة للعدالة الجنائية في مواجهة عالم تتغير فيه خرائط الجريمة
فيينا – دعاء أبوسعدة
أكدت مصر التزامها الراسخ بتطوير منظومة العدالة الجنائية وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات الأمنية المستجدة، وذلك خلال أعمال الدورة الخامسة والثلاثين للجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية المنعقدة بمقر الأمم المتحدة في فيينا.
وألقى السفير محمد نصر، المندوب الدائم لجمهورية مصر العربية لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، بيان مصر خلال النقاش العام، مستهلًا كلمته بتهنئة رئاسة الدورة وأعضاء مكتبها، ومؤكدا دعم مصر الكامل للموقف الأفريقي والقضايا ذات الأولوية للقارة في مجالات العدالة وسيادة القانون.
ورحب السفير نصر بتعيين مونيكا جوما مديرة عام لمكتب الأمم المتحدة في فيينا ومديرة تنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، معربا عن ثقته في قدرتها على دفع مسيرة العمل متعدد الأطراف وتعزيز الدعم المقدم للدول النامية، خاصة في مجالات بناء القدرات والمساعدة الفنية ونقل التكنولوجيا.
واستعرض البيان المصري ما شهدته منظومة العدالة الوطنية من تطورات نوعية خلال السنوات الأخيرة، شملت التوسع في رقمنة الخدمات القضائية، ورفع كفاءة المحاكم، إلى جانب تخصيص دوائر وقاعات محاكمة تراعي احتياجات المرأة، والتوسع في منظومة التقاضي الإلكتروني بالمحاكم الاقتصادية.
كما سلط الضوء على التقدم المحرز في ملف تمكين المرأة داخل المؤسسات القضائية، حيث شهدت السنوات الأخيرة تعيين قاضيات في مجلس الدولة والنيابة العامة، ليقترب عدد القاضيات في مصر من أربعة آلاف قاضية، في خطوة تعكس اتساع دور المرأة في منظومة العدالة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص.
وفيما يتعلق بتطوير المؤسسات العقابية، أكد البيان استمرار جهود الدولة في تحديث البنية التحتية لمراكز الإصلاح والتأهيل وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية للنزلاء، بما يدعم إعادة دمجهم في المجتمع ويعكس نهجا إصلاحيا يضع الإنسان في صدارة أولوياته.
وعلى الصعيد الدولي، رحبت مصر باعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، مؤكدة أهمية تعزيز التعاون الدولي لمواجهة الجرائم الرقمية العابرة للحدود. وأعلنت في هذا السياق اعتزامها إنشاء مركز تميز أفريقي لدعم القدرات الإقليمية في مجال مكافحة الجريمة السيبرانية، إلى جانب تنظيم مؤتمر دولي بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة خلال الشهر الجاري.
وفي ملف حماية التراث الثقافي، شددت مصر على ضرورة التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وتفعيل الآليات والقرارات الدولية ذات الصلة، مشيدة بالتعاون القائم مع المكتب الأممي المختص في هذا المجال.
كما أكدت أن معالجة ظاهرة الهجرة غير الشرعية تتطلب مقاربة شاملة تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجذرية للهجرة، مشيرة إلى نجاح الدولة المصرية في منع خروج أي قوارب للهجرة غير الشرعية من سواحلها منذ عام 2016، رغم استضافتها لأكثر من عشرة ملايين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء.
وجددت مصر التزامها بمكافحة الاتجار بالبشر من خلال تنفيذ استراتيجيتها الوطنية الثالثة، التي تضع حماية الضحايا وعدم معاقبتهم في صدارة أولوياتها، كما أكدت دعمها للجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه، مع الدعوة إلى تعزيز مبادرة «كونكت» وتوسيع نطاقها لتشمل إقليم شرق أفريقيا، في ضوء تنامي الروابط بين الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
واختتمت مصر بيانها بالتشديد على أهمية التزام الدراسات والأبحاث والمنشورات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بالحياد والموضوعية واحترام التنوع الثقافي للدول الأعضاء، بما يحافظ على مصداقية المنظومة الأممية ويعزز الثقة في دورها.
وجاءت الكلمة المصرية في فيينا لتؤكد أن العدالة الجنائية في عالم اليوم لم تعد مجرد منظومة قانونية أو إجراءات مؤسسية، بل أصبحت ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وصون الأمن والاستقرار، من خلال رؤية متكاملة توازن بين سيادة القانون وحقوق الإنسان، وبين المصالح الوطنية ومتطلبات التعاون الدولي
