بين التاريخ كذاكرة والسياسة كفعل: زيارة ناصر بوريطة إلى فيينا ترسم ملامح شراكة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية

فيينا – دعاء أبوسعدة

0 0

في زمن تتآكل فيه اليقينيات الجيوسياسية، جاءت زيارة وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى فيينا لتقدم نموذجا مغايرا في إدارة العلاقات الدولية؛ نموذج لا يكتفي بتبادل المصالح، بل يسعى إلى إعادة تعريفها ضمن أفق استراتيجي طويل المدى.

توقيع اتفاق إطلاق “الحوار الاستراتيجي” مع نظيرته بيآته ماينل رايزينغر لم يكن إجراء بروتوكوليا، بل خطوة تأسيسية لنقل العلاقة بين الرباط وفيينا من مستوى التنسيق إلى مستوى “المأسسة”، حيث يصبح الحوار آلية دائمة لإنتاج التفاهم، لا مجرد استجابة ظرفية للأزمات. ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية بوصفه أول حوار استراتيجي تطلقه النمسا مع دولة عربية وإفريقية، في إشارة واضحة إلى موقع المغرب المتقدم في حسابات الشراكة الأوروبية جنوبا.

البيان المشترك عكس هذا التحول بوضوح، إذ وسع مجالات التعاون لتشمل الأمن والاقتصاد والطاقة والثقافة، مؤكدا أن الشراكة لم تعد محكومة بثنائية الجغرافيا، بل بمنطق التكامل. 

وفي هذا السياق، برزت الفقرة الثامنة من البيان كأحد أبرز محطاته السياسية، حيث أكدت النمسا التزامها بدعم مسار تسوية قضية الصحراء في إطار الأمم المتحدة، ورحبت بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (2025)، الذي يؤكد دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي، ويعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب تمثل أساسا جادا وذا مصداقية للتوصل إلى حل عادل ودائم ومتوافق عليه، في إطار سيادة المملكة المغربية. 

كما ، ورحبت النمسا باستعداد المغرب للانخراط بحسن نية مع جميع الأطراف المعنية لتوضيح ترتيبات هذا الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

اقتصاديا، تتعزز مكانة المغرب كشريك موثوق للنمسا داخل الفضاء الإفريقي، ليس فقط كسوق واعدة، بل كمنصة استراتيجية لإعادة تموضع الاستثمارات الأوروبية. الأرقام الصاعدة في حجم التبادل التجاري تعكس هذا التحول، لكنها تخفي وراءها حقيقة أعمق

انتقال العلاقة من منطق التبادل إلى منطق الاندماج الجزئي في سلاسل القيمة.

غير أن القراءة الأكثر عمقا للزيارة جاءت من تصريح سفير المغرب لدى النمسا عز الدين فرحان، الذي لم يتحدث بلغة الحدث، بل بلغة الفكرة. 

إذ اعتبر أن العلاقة بين البلدين تمثل انتقالا نوعيا من “دبلوماسية الاعتراف” إلى “دبلوماسية الشراكة”، حيث لم يعد الهدف إثبات الوجود المتبادل، بل بناء أفق مشترك للمصالح والرؤى.

وفي مقاربة أقرب إلى التأمل الفلسفي، شدد السفير على أن معاهدة 1783 لم تكن مجرد لحظة تاريخية، بل تأسيسا لما يمكن وصفه بـ“استمرارية المعنى”، حيث يتحول التاريخ من أرشيف إلى أداة للفعل السياسي. 

ومن هنا، فإن الحوار الاستراتيجي الذي أعلن في فيينا ليس سوى امتداد طبيعي لهذا المسار، باعتباره إطارا مؤسسيا يعيد إنتاج التفاهم بشكل مستمر.

هذا البعد الفكري توازى مع حراك سياسي ميداني، تجلى في زيارة بوريطة إلى البرلمان النمساوي ولقائه برئيس المجلس الوطني فالتر روزنكرانتس، حيث تم التطرق إلى قضايا الأمن والتعاون الاقتصادي والهجرة. 

غير أن اللافت في هذا السياق كان وضوح المقاربة المغربية لملف الهجرة، إذ أكد بوريطة أن إدارة هذه الظاهرة لا يمكن أن تختزل في تحميل دول العبور وحدها عبء المواجهة، بل تستدعي شراكة متكافئة تتقاسم المسؤوليات وتعالج الجذور البنيوية.

في المجمل، لا تبدو هذه الزيارة مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل لحظة كاشفة عن تحوّل أعمق في منطق العلاقات الدولية

من التفاعل إلى التخطيط، ومن التاريخ كذاكرة إلى التاريخ كأداة، ومن الشراكة كخيار إلى الشراكة كضرورة. 

إنها، باختصار، محاولة لإعادة كتابة قواعد التقارب في عالم لم يعد يحتمل العلاقات السطحية أو التحالفات المؤقتة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.