في فيينا، لا يُختبر نضج الدولة في لحظات الإجماع، بل في كيفية إدارتها للاختلاف.
ومن هذا المنظور، فإن استضافة البلدية للإفطار الرمضاني داخل مبنى Rathaus Wien لا تُفهم كإشارة دينية، بل كفعلٍ مدنيّ يعكس فلسفة مدينةٍ تعي أن المجال العام يتسع للجميع ما دام محكومًا بالقانون.
برعاية عمدة العاصمة Michael Ludwig، بدا الحدث أقرب إلى تمرين عملي على مفهوم الحياد الإيجابي
الدولة لا تتبنى عقيدة، لكنها لا تنكر حضورها الاجتماعي. هي لا تحتفي بالشعائر بوصفها عقائد، بل تعترف بها بوصفها جزءًا من واقع مواطنيها.
الفارق دقيق، لكنه جوهري في فهم التجربة النمساوية.
النمسا، بتاريخها القانوني الذي نظّم العلاقة بين الدولة والطوائف الدينية، اختارت منذ وقت مبكر أن يكون الاعتراف مدخلًا إلى التنظيم، لا إلى الفوضى.
ومن هنا، تؤدي Islamische Glaubensgemeinschaft in Österreich (IGGMÖ) دورًا مؤسسيًا يربط بين الحرية الدينية والمسؤولية المدنية، في معادلةٍ قوامها الشفافية والالتزام بالنظام الدستوري.
ما يمنح هذه المناسبة أهميتها ليس طقس الصوم ذاته، بل ما ترمز إليه لحظة الجلوس المشترك
أن المدينة الحديثة تستطيع أن تجمع بين اختلافات سكانها دون أن تفقد تماسكها.

فالتعدد، حين يُدار بعقلانية، يتحول من مصدر قلق إلى عنصر توازن. والاعتراف، حين يتم داخل إطار القانون، يصبح تأكيدًا على قوة الدولة لا على هشاشتها.
قد يقرأ البعض مثل هذه المبادرات بعيون متوجسة، في زمن تتصاعد فيه حساسيات الهوية في أوروبا.
غير أن التجربة الفيينية تقدّم طرحًا مغايرًا
الهوية الوطنية لا تُصان عبر الإقصاء، بل عبر الثقة بمؤسسات الدولة.
والدولة الواثقة لا ترى في استضافة مناسبة دينية تهديدًا، بل فرصة لإعادة تأكيد مبدأ المساواة بين مواطنيها.
هكذا، يتحول الإفطار في فيينا من حدث موسمي إلى مشهدٍ رمزي يعكس رؤية سياسية أعمق
أن المواطنة رابطة قانونية جامعة، وأن المدينة التي تحترم تنوعها إنما تحترم نفسها.
وفي لحظة الغروب، حيث يتشارك الحضور الخبز والكلمة، تتجسد فكرة بسيطة لكنها بالغة الدلالة
أن العيش المشترك ليس شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل سياسة عامة تُمارَس بهدوء وثبات

