عشان الريحة  

علي الرز

0 0

في بداية الثورة السورية نَقَلَ أهالي جوبر الذين التقاهم بشار الأسد أنه قال لهم: “لا أنزعج ممّن يتظاهر. أنزعج ممّن يصوّر”.

نعود لاحقاً لهذه “العبقرية”.

قديماً، قال الباحث الكندي مارشال ماكلوهان إن “عالِم الاجتماع يَسبق الجيوش”. وعبارتُه امتدادٌ لفرضياتٍ قديمةٍ كثيرة ملخّصها: إذا أردتَ ان تهزم أمةً فارسل علماء الاجتماع قبل الجيوش. أي أن عالِم الاجتماع سيملك فكرةً قويةً عن العادات والتقاليد والنفسيات وتركيبة السلطة والنسيج القبائلي والعائلي وعوامل القوة والضعف داخل المجتمع وهيئاته السياسية والقيادية. وكلّها معلوماتٌ تخدم العملَ العسكري الخارجي.

نعود لاحقاً لهذه “الفرضية”.

إلى الباحثين في علم النفس والاجتماع. إلى المستشرقين. إلى مراكز الأبحاث في العالم وجلساتهم الداخلية المغلَقة والمعلَنة. إلى الأكاديميين والمنظّرين والمُغْرَمين بتفسيرِ كل ظاهرةٍ بألف معنى رغم أن معناها واحدٌ وبسيط. وَفِّروا على أنفسكم عبءَ الرصد والتحليل وبعدها الدراسات والخلاصات، واستمِعوا بعمقٍ وهدوءٍ إلى أمجد يوسف أحد أبطال مجزرة حي التضامن في سورية قبل سقوط النظام حيث كان يغمض عيون الضحايا ويرميهم في حفرةٍ ثم يطلق مع آخَرين النار عليهم.

استمِعوا إليه، فهو سَيُغْنيكم عن عناء الزيارات والبحث والدراسة واستخلاص المفاتيح العلمية للشخصية التي تريدون تشريحَ تفاصيلها الفكرية واختلالها الذهني واعتلالها النفسي. ستجدون نموذجاً جاهزاً لإعلامكم أن حالةَ التماهي بين مجرمٍ ونظامٍ لم يَسبق لها مثيل في التاريخ، بل أن هذا المجرم من ذاك النظام الذي صار آلةَ “تفقيسٍ” ولّادةٍ لأمثال أمجد. وستجدون حالةَ توافقٍ أكبر بين جريمةٍ وحُكْمٍ بل أن هذه الجريمة من ذلك الحُكْم. وستجدون تَطابُقاً بين انحرافِ فَرْدٍ وشذوذِ سلطةٍ بل أن هذا الانحراف من ذاك الشذوذ.

يعترف أمجد يوسف، وهو في قمة الهدوء عبر الفيديوات التي انتشرتْ، بأنه قام بقتْل العشرات (لا يعرف الرقم) لأنه كما قيل له إنهم إرهابيون (مَن الذي قال؟) وإن بعضهم ليس إرهابياً بل هو مموّل للارهاب، وبأنه قَتَلَهُم من دون أيّ أوامر من أحد ولا حتى أي ضابط (متلازمة بالروح والدم دفاعاً عن سيّده). ولم يكن الأقسى والأصعب في شهادته الحديثُ “الهادئ” عن الطريقة التي قَتَلهم فيها بل ترتيبات المجزرة، اذ استفاض بالقول إنه ورفاقه بمساعدةِ جرافةٍ حَفَروا الأرضَ، ثم وَضَعوا فيها إطاراتِ سياراتٍ ثم ألقوا بالضحايا فوقها وأطلقوا النار عليهم. إنما لم يَفُتْهُمْ، قبل طَمْرِ الحفرة، وَضْعُ إطاراتِ سياراتٍ أخرى فوق الجثث، ثم إشعال النار في الإطارات مِن تحت الجثث وفوقها.

لماذا؟

أجاب بالهدوء نفسه: عشان الريحة.

إما أنه تحوّل ساعتَها إلى ناشط في حزب الخضر مدافعاً عن البيئة، وهذا بالتأكيد غير مفترَض، وإما انه خشي على مركز إقامته وإقامة رفاقه في المبنى الملاصق للحفرة من توابع الرائحة حتى لا يتضايقوا منها، وكذلك كي لا تنتشر في المنطقة ويَنتبه العابرون إلى وجود منْجمٍ بشريّ للحم والعظام.

في كل ما فعله، كان إخفاءُ الرائحة هَمّاً أوّل لديه. يَعرف أمجد يوسف وآلاف “أمجد يوسف” في نظام بشار الأسد لماذا قَتلوا الناس بتلك الطريقة، ومَن أعطى الأوامر وكيف كانوا يتسابقون على وحشيةٍ تُرْضي أسيادَهم الذين هَرَبوا مع المال والبنين تاركين لهم كوابيس المطاردات والاعتقالات وفيديوهات العار … لكنهم يُنْكِرون الكثيرَ من التفاصيل، ليس دفاعاً عن نظامٍ انهار بل خوفاً على منظومةٍ، تَغَلْغَلَتْ في عقولهم وقلوبهم وسلوكهم، من الانهيار.

لا حاجة لعالِم اجتماعٍ كي يَجلس معهم ويُحاوِرَهم ويَكشف شخصياتهم وانحرافاتها وبالتالي يَبني على أساسها فرضياتٍ قد تخدم أيّ عملٍ عسكري خارجي مستقبلي. هذه الشخصية العربية الموجودة في دولةٍ عربيةٍ لا تحتاج نهائياً لمَن يرصدها ويدرسها ويحلّلها، فهي ترصد نفسَها وتُعطي دروساً في الإجرام وتوفّر التحليلَ على كل باحثٍ عن ظاهرةِ “الوحوش البشرية”… وبالتالي، وحدها كفيلة بتدمير ناسها ومجتمعها ودولتها ولا حاجة لخدمات الآخَرين.

عودُ على بدء، إلى عبارة بشار الأسد لأهالي جوبر. هو لا ينزعج ممن يتظاهر بل ممّن يصوّر. التفسير: تظاهَروا واحتجّوا وأنا سأقصفكم بالمدفعية والطائرات وألقي عليكم البراميل المتفجّرة والكيماوي إن اقتضى الأمر، إنما لا تصوّروا كي لا يرى العالم ماذا فعلتُ … بمعنى آخَر، موتوا ولكن لا تَجْعَلوا الرائحةَ تنتشر.

أمجد يوسف كان منسجماً مع نفسه أكثر من بشار. أشعلَ النارَ في الضحايا كي لا تنتشر الرائحة.

ومع ذلك… فهذا الأمجد من ذاك البشار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.