سبايكر.. الجرح الذي فضح أكذوبة الإرهاب باسم الدين

فيينا دعاء أبوسعدة

0 0

في كل عام تعود ذكرى مجزرة سبايكر، لا بوصفها حادثة عابرة في سجل العنف الذي شهده العراق، بل باعتبارها جرح مفتوح في الذاكرة الوطنية وامتحان أخلاقي للإنسانية جمعاء. 

إنها ليست مجرد أرقام أو أسماء شهداء، بل حكاية وطن واجه في لحظة مظلمة أقسى تجليات الكراهية حين تحول الإنسان إلى هدف لمجرد هويته، وحين حاول الإرهاب أن يجعل من الموت لغة ومن الرعب عقيدة.

في يونيو عام 2014، وبعد أيام من اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمحافظات عراقية عدة، ارتكبت واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ العراقي المعاصر.

 نحو ألفي شاب من طلبة القوة الجوية في تكريت، عزل من السلاح والدفاع، اقتيدوا إلى مصير رسمه فكر فقد إنسانيته قبل أن يفقد عقله.

 هناك، على ضفاف دجلة وفي محيط القصور الرئاسية، سقطت الأجساد برصاص الغدر، لكن الذي سقط قبلها كان وهم أن التطرف يمكن أن يمتلك أي صلة بالدين أو الأخلاق أو القيم الإنسانية.

لقد حاول تنظيم داعش أن يرتدي عباءة الدين ليمنح جرائمه شرعية زائفة، غير أن الحقيقة كانت أكثر وضوحا من أن تخفى. 

فالإسلام الذي اشتق اسمه من السلام، وجعل حفظ النفس البشرية من أعظم مقاصده، لا يمكن أن يكون دينا للقتل والترويع. 

النصوص القرآنية والنبوية جاءت لحماية الإنسان وصيانة كرامته، لا لإهدار دمه. 

ومن يقتل الأبرياء ويزرع الرعب بين الناس لا يمثل الإسلام، بل يمثل الانقلاب الكامل على جوهره.

إن الخطر الحقيقي الذي كشفته سبايكر لم يكن في السلاح وحده، بل في الفكرة العدمية التي وقفت خلفه. 

تلك الفكرة التي ترى الآخر عدوا لمجرد اختلافه، وتحول الكراهية إلى هوية، والانتقام إلى عقيدة، والموت إلى وسيلة لإثبات الوجود.

 إنها فلسفة العدم التي لا تبني وطنا ولا تصنع مستقبلا، بل تقتات على الخراب وتعيش على أنقاض المجتمعات.

ومن هنا فإن سبايكر ليست مجرد ذكرى مأساوية، بل درس عميق في أمن العراق ومستقبله. 

فالأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، رغم ضرورتها، بل يبدأ من حماية الوعي من التزييف، ومن بناء إنسان يدرك الفرق بين الدين والتطرف، وبين الإيمان والتعصب، وبين الحق والادعاء الكاذب للحق. 

فالتنظيمات الإرهابية لا تنشأ من فراغ، وإنما تنمو في البيئات التي يغيب فيها العقل النقدي ويستباح فيها الإنسان باسم الشعارات.

لقد أراد داعش أن يجعل من سبايكر رمزا للخوف، لكن العراقيين حولوها إلى رمز للصمود والذاكرة والعدالة. 

فدماء الشهداء لم تذهب هدرا، بل أصبحت جزءا من السردية الوطنية التي وحدت العراقيين في مواجهة الإرهاب، وأسهمت في تشكيل إرادة جماعية انتهت بهزيمة المشروع الداعشي عسكريا وفكريا.

وفي الذكرى السنوية للمجزرة، يقف العراقيون أمام أسماء الشهداء لا باعتبارهم ضحايا فقط، بل باعتبارهم شهودا على مرحلة تاريخية كشفت الوجه الحقيقي للإرهاب. 

شهداء سبايكر لم يكونوا أرقام في تقرير أو صور في أرشيف، بل أبناء وأحلام ومستقبل كان ينتظرهم. لذلك فإن أفضل وفاء لهم لا يكون بالبكاء على الماضي فحسب، وإنما ببناء عراق أقوى وأكثر وعيا وعدالة، عراق لا يسمح للكراهية أن تجد لها موطئ قدم مرة أخرى.

رحم الله شهداء سبايكر الأبرار، وجعل ذكراهم منارة للأجيال القادمة، وتذكارا دائما بأن الإنسان حين يفقد إنسانيته يصبح أخطر من أي سلاح،

أن الأوطان لا يحميها الخوف، بل يحميها الوعي والعدالة والتمسك بقيم الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.