ثائر الناشف يوقع “رسائل من ذاكرة كازانوفا” في فيينا: سردية الذاكرة بين التشظي والاعتراف
فيينا دعاء أبوسعدة

في أمسية اتسمت بكثافة الحضور وتعدد مستويات التلقي، شهدت العاصمة النمساوية فيينا فعالية أدبية نظمتها جمعية المرأة الكردية النمساوية للفن والثقافة، احتفاء بتوقيع رواية الكاتب والصحفي ثائر الناشف “رسائل من ذاكرة كازانوفا”. وقد بدا اللقاء، منذ افتتاحه، أقرب إلى مساحة نقدية مفتوحة تتقاطع فيها القراءة الأدبية مع مساءلة النص بوصفه بنية دلالية مركبة تتجاوز حدود الحكاية.
افتتحت الأمسية رئيسة الجمعية سوسن ديكو، مؤكدة أن الفعل الثقافي في سياق الاغتراب ليس ترفا، بل ضرورة لإعادة إنتاج المعنى في فضاءات الشتات.
ثم جاءت المداخلات النقدية لكل من جان بابير وعلي الحسن، لتضع الرواية في سياقها الإشكالي، حيث تتقاطع ثيمات الحب والذاكرة والجسد مع أسئلة الهوية والانتماء، ضمن بناء سردي يعتمد على التشظي (اي السرد المفتت) لا الخطية، وعلى الاستعادة لا التوثيق.
الرواية، في جوهرها، لا تقدم حكاية تقليدية بقدر ما تبني أرشيف نفسي متصدع، تتحرك داخله الذات بين مدن ثلاث بغداد، دمشق، والبندقية بوصفها فضاءات رمزية أكثر منها جغرافية.
فالمدينة هنا ليست مكانا، بل طبقة من الذاكرة، وكل انتقال مكاني هو في الحقيقة انتقال في درجة الوعي والانكسار.
تتمحور “رسائل من ذاكرة كازانوفا” حول شخصية فرات الذهب، الملقب بـ“كازانوفا الشرق”، وهو توصيف لا يقدم بوصفه زينة سردية، بل كعلامة على هوية عاطفية مأزومة تتشكل منذ الطفولة، ثم تنفلت في مسار الهجرة القسرية عام 2006 نحو سورية، حيث تتكثف التجربة العاطفية في شكل علاقات قصيرة الأمد، لا تلبث أن تتحول إلى صدمات نفسية تعيد تشكيل وعي الذات بوصفه وعيا مكسورا ومجزأ.
اللافت في البنية السردية هو انتقال الكتابة من كونها فعلا حكائيا إلى كونها ممارسة علاجية، إذ يتحول النص إلى امتداد لجلسة تحليل نفسي، حين ينصحه الطبيب بكتابة مذكراته.
ومن هنا تتأسس الرسائل بوصفها شكلا هجينيا بين الاعتراف والسرد، بين اليومي والاعترافي، لتتشكل داخل فضاء مقهى “هافانا” الدمشقي كتابة تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع محاولات ترميم الذات.
ويأخذ النص بعدا ميتاسرديا عبر حضور “كازانوفا الغرب” بوصفه قرين تخييلي، لا يقرأ كشخصية تاريخية، بل كمرآة مفاهيمية تعكس جدل الجسد والرغبة والمعنى، في حوار يتجاوز الزمن ويعيد تفكيك تمثلات الحب في العالم المعاصر، حيث يتحول الجسد من موضوع للمتعة إلى حقل للتأويل الفلسفي والقلق الوجودي.
أما إدخال شخصية الطالبة الجامعية السورية ريحان فيجعل من النص بنية متعددة الأصوات، إذ لا تعود الحكاية ملكا لصوت واحد، بل تتوزع بين من يكتب ومن يقرأ ومن يعيد إنتاج المعنى.
اكتشاف الرسائل بعد حادث السير يفتح طبقة سردية ثانية، تجعل من القراءة نفسها فعلا تأويليا يعيد ترتيب الوقائع لا كشفها فقط، وهو ما يمنح الرواية بعدا إبستمولوجيا (فلسفة المعرفة)واضحا في تعاملها مع الحقيقة بوصفها بناء متغيرا لا معطى ثابتا.
في المرحلة الأكثر كثافة درامية، يتعرض البطل لفقدان جزئي للذاكرة بعد الحادث، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع ذاته بوصفها كيانا غير مكتمل.
هنا يتحول النسيان إلى بنية سردية موازية، لا تقل أهمية عن التذكر، إذ يغدو غياب الذاكرة جزءا من إنتاج المعنى لا نقيضا له.
ومن هذا التوتر بين المحو والاستعادة، تتشكل ذروة الرواية حين يعيد اللقاء بـ“دجلة” فتح طبقات الذاكرة المغلقة، في لحظة تبدو أقرب إلى استعادة وجودية منها إلى استرجاع شخصي.
وقد أضفى موسيقى الفنان منتصر صالح على الأمسية بعدا سمعي وجمالي كردي ، ساهم في تعزيز البنية الانفعالية للنقاش، وجعل من الفضاء الثقافي مساحة تداخل بين السرد والموسيقى بوصفهما شكلين مختلفين للتعبير عن الذاكرة.
في المحصلة، تقدم “رسائل من ذاكرة كازانوفا” مشروع روائي يشتغل على تفكيك مفهوم الهوية العاطفية في زمن الاغتراب، حيث لا يعود الإنسان كيانا متماسكا، بل نصا مفتوحا على إعادة الكتابة الدائمة، بين ما يتذكره وما يعجز عن نسيانه
