من قلب فيينا، حيث تتقاطع رؤى العالم حول مستقبل الأمن والعدالة، قدمت المملكة المغربية رؤية متكاملة تتجاوز المفهوم التقليدي لمكافحة الجريمة، واضعة الإنسان في صدارة معادلة الأمن، ومؤكدة أن العدالة الحقيقية لا تقاس بعدد العقوبات، بل بقدرتها على حماية الكرامة الإنسانية وترميم الثقة داخل المجتمعات.
وخلال أعمال الدورة الخامسة والثلاثين للجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، ألقى السفير عز الدين فرحان، الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، كلمة حملت أبعادا فكرية واستراتيجية عميقة، رسم فيها ملامح المقاربة المغربية التي تنظر إلى الأمن باعتباره مشروع مجتمعي شاملا، لا مجرد استجابة للتهديدات.
وأكد السفير المغربي أن العالم يعيش مرحلة تتداخل فيها الحدود بين الجريمة المحلية والاضطرابات العابرة للحدود، في ظل تسارع التحولات التكنولوجية وتنامي التحديات الاجتماعية والاقتصادية، مشيرا إلى أن السؤال لم يعد مقتصرا على كيفية مكافحة الجريمة، بل أصبح مرتبطا بكيفية الحفاظ على تماسك المجتمعات وصون قيم العدالة والإنسانية.
وفي خطاب اتسم بالبعد الفلسفي، شدد فرحان على أن الأمن لا يتحقق فقط بغياب الخطر، كما أن العدالة لا تختزل في العقاب، بل تنبع من قدرة المؤسسات على بناء الثقة، ومن قدرة المجتمعات على توفير الفرص والاندماج والحماية من أسباب التطرف والعنف والإقصاء.
واستعرضت المملكة المغربية تجربتها في تعزيز التعاون الدولي، مشيرة إلى أن استضافة مدينة مراكش للجمعية العامة للإنتربول عام 2025 جسدت إيمان المغرب بأن الأمن العالمي أصبح مسؤولية مشتركة لا تعترف بالحدود، وأن مواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للأوطان تتطلب مستويات مماثلة من التنسيق والثقة بين الدول.
كما سلطت الكلمة الضوء على البعد الإنساني في مواجهة الإرهاب، مستشهدة بتنظيم المؤتمر الدولي لضحايا الإرهاب في أفريقيا بالرباط، حيث أكد المغرب أن الضحايا ليسوا مجرد أرقام في تقارير دولية، بل قصص إنسانية تستوجب أن تكون في صميم السياسات الدولية لمكافحة التطرف والعنف.
وفي سياق الإصلاحات الوطنية، عرضت المملكة مسارا متقدما لتحديث منظومة العدالة الجنائية، شمل إدخال العقوبات البديلة مثل الخدمة المجتمعية والمراقبة الإلكترونية والعدالة التصالحية، في تحول يعكس رؤية تعتبر إعادة التأهيل والاندماج جزءا أصيلا من مفهوم العدالة الحديثة.
كما أبرزت الرباط جهودها في التعاون القضائي الدولي من خلال إبرام أكثر من 95 اتفاقية جنائية مع دول مختلفة، بما يعزز آليات المساعدة القانونية وتسليم المطلوبين وملاحقة الجريمة المنظمة عبر الحدود.
وفي ملف الهجرة، قدم المغرب نموذجا يجمع بين البعد الإنساني والبعد الأمني، مؤكدا أن الهجرة ليست قضية أمنية فحسب، بل ظاهرة إنسانية تتطلب التضامن واحترام الكرامة الإنسانية.
وفي الوقت ذاته، كشف عن نجاح السلطات المغربية خلال عام 2025 في تفكيك 105 شبكات إجرامية متخصصة في تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، وإحباط أكثر من 34 ألف محاولة للهجرة غير النظامية.
أما في مجال مكافحة الإرهاب، فقد جددت المملكة التأكيد على استراتيجيتها الشاملة التي طورتها خلال العقدين الماضيين تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، والتي تجمع بين الإجراءات الأمنية والتنمية البشرية والإصلاح المؤسسي وتعزيز قيم الاعتدال والتسامح والتعايش.
وفي هذا السياق، برزت التجربة المغربية بوصفها واحدة من أكثر التجارب توازنا وفاعلية في مواجهة الإرهاب والتطرف العنيف، حيث نجح المغرب في بناء نموذج متعدد الأبعاد لا يكتفي بالمواجهة الأمنية، بل يمتد إلى معالجة الجذور الفكرية والاجتماعية والاقتصادية للتطرف.
وهي رؤية تنطلق من قناعة راسخة بأن الأمن المستدام لا يتحقق فقط بملاحقة التهديدات، وإنما ببناء الإنسان وتعزيز مناعته الفكرية وترسيخ ثقافة الأمل والانتماء داخل المجتمع.
وأكد السفير فرحان أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تعتمد على القوة وحدها، بل تتطلب الاستثمار في التعليم والفرص والكرامة الإنسانية والاندماج المجتمعي، موضحا أن المغرب جعل من الوقاية وإعادة التأهيل ركائز أساسية في معركته ضد التطرف العنيف، وهو ما أكسب تجربته تقديرا متزايدا على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، استعرضت المملكة دورها في تعزيز الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب من خلال احتضان مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والتدريب في أفريقيا بالرباط، الذي أصبح منصة إقليمية مهمة لبناء القدرات وتعزيز التعاون والوقاية عبر القارة الأفريقية، فضلا عن تنظيم فعالية خاصة خلال أعمال الدورة الحالية بعنوان «النموذج المغربي لمكافحة التطرف: عقدان من المصالحة وإعادة التأهيل والوقاية».
وفي ختام كلمته، دعا المغرب إلى تجديد الالتزام الدولي بالتعددية والتعاون المشترك، محذرا من الترابط المتزايد بين الإرهاب والجريمة المنظمة والجريمة السيبرانية والاتجار بالبشر والتدفقات المالية غير المشروعة، وهي تحديات باتت تتجاوز الحدود التقليدية للدول وتفرض استجابات جماعية أكثر تكاملا.
وبذلك قدم الوفد المغربي من فيينا رسالة تتجاوز الأبعاد الأمنية التقليدية، مفادها أن بناء مجتمعات أكثر أمنا يبدأ من بناء مجتمعات أكثر عدالة وإنصافا، وأن حماية الإنسان تظل الطريق الأقصر لحماية الدول، وأن العدالة حين تقترن بالكرامة تصبح أداة لصناعة السلام وترسيخ التماسك الاجتماعي الواعي والتقدم الإنساني.
