رمضان ليس شهرًا يُضاف إلى التقويم، بل لحظة يُعاد فيها تعريف الإنسان.
إنّه ليس انتقالًا من الإفطار إلى الإمساك، بل انتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن الاستهلاك إلى التأمل، ومن الانفلات إلى السيادة على النفس.
الصيام في حقيقته ليس امتناعًا عن الطعام؛ بل هو تمرينٌ وجوديّ على إعادة ترتيب العلاقة بين “أنا” الشهوة و“أنا” المعنى.
الجوع في رمضان ليس غاية، بل أداة.
أداة لفضح هشاشتنا، ولتعريتنا أمام أنفسنا.
حين تمتنع عمّا هو مباح في الأصل، تدرك كم أنت أسير لما تظنه بسيطًا. فكيف بما هو محرّم؟
هنا يبدأ السؤال العميق
إذا كنا لا نحتمل ساعاتٍ بلا طعام، فكيف نحتمل أعمارًا مثقلة بالذنوب؟
المعصية ليست فعلًا عابرًا؛ إنها أثرٌ يتراكم في الداخل.
كل ذنب يترك طبقةً رقيقة من القسوة على القلب، حتى يصبح الشعور بالألم الأخلاقي باهتًا.
أخطر ما في الذنب أنه لا يقتل صاحبه فجأة، بل يُطفئ فيه الحساسية تدريجيًا.
فيتحول الظلم إلى عادة، والكذب إلى مهارة، والغيبة إلى تسلية، والقسوة إلى قوة.
الظلم – تحديدًا – ليس مجرد تعدٍّ على حقوق الآخرين، بل إعلان تمرّد على ميزان العدل الكوني.
إنه لحظة يتوهّم فيها الإنسان أن بإمكانه أن يكون مركز الحقيقة، وأن مصالحه تسبق القيم.
ولذلك قيل: الظلم ظلمات؛ لأنه يعتم البصيرة قبل أن يُعتم المصير. وما من قلبٍ يظلم إلا ويفقد شيئًا من صفائه، ولو بدا للناس قويًا.
نحن مأمورون أن نتخذ من الشيطان عدوًا، لكن المأساة أن بعضنا يعقد معه هدنةً صامتة.
لا نعلن الولاء له، لكننا نُنفّذ منطقه. نبرّر لأنفسنا، نُجمّل الخطأ، نُهوّن من المعصية، ونستثقل التوبة.
الشيطان لا يحتاج أن يُكرهنا؛ يكفيه أن يُقنعنا.
وإذا اقتنعنا، صرنا شركاء في الخداع.
في هذا السياق، يصبح رمضان ساحة معركة داخلية. ليس بين الإنسان والطعام، بل بين الإرادة والهوى.
بين الوعي والاندفاع. بين الإنسان الذي يريد أن يسمو، والإنسان الذي يرضى أن يبقى أسيرًا للعادة.
الصيام الحقيقي هو أن تقول لنفسك “لا” حين تتوق، وأن تقول للحق “نعم” حين يكلّفك.
هناك من يصوم جسدًا ويفطر قلبًا. يمسك عن الماء ويُطلق لسانه بالتحقير.
يمتنع عن الطعام ويتغذّى على آلام الآخرين.
هذا الصوم لا يحرّر، بل يُرهق. لأن الغاية لم تكن يومًا تجويع الجسد، بل تزكية النفس.
وإذا لم يتغيّر الداخل، فالتعب يصبح مجرد حرمانٍ بلا أثر.
رمضان ليس شهر القمع، بل شهر. التحرر من سطوة العادة، من إدمان اللذة الفورية، من استسهال الخطأ. هو شهر استعادة السيادة على الذات.
أن تُدرك أنك قادر على أن تكون أكثر نقاءً مما اعتدت، وأكثر رحمةً مما ظننت، وأكثر عدلًا مما مارست.
السؤال الذي ينبغي أن يسبق الهلال بأي قلبٍ سندخل؟
بقلبٍ مثقلٍ بالغلّ، يرى في الناس خصومًا؟
أم بقلبٍ مستعدٍ للمراجعة، يعترف بتقصيره، ويطلب الصفح، ويردّ المظالم، ويُعيد ترتيب أولوياته؟
إن لم يكن رمضان نقطة انعطاف، فسيكون مجرد تكرار.
وإن لم نُصم عن القسوة، فالصوم عن الطعام لن يكفي.
وإن لم نكفّ عن الظلم، فالجوع لن يُنقذنا.
الصيام العميق هو أن نجوع عن كل ما يُبعدنا عن الله
نجوع عن الكبر، عن الغرور، عن الاستعلاء، عن لذّة الانتصار للذات على حساب الحق.
أن نصوم عن رؤية عيوب الناس، ونفطر على رؤية عيوب أنفسنا.
أن نصوم عن الانتقام، ونفطر على العفو.
عندها فقط يصبح رمضان إعادة خلقٍ داخلي، لا مجرد موسم عبادة.
وعندها فقط يكون الجوع نورًا… لا ظلمة
