في كل عام، حين يقترب ما يُسمّى «عيد الحب»، يبدو العالم وكأنه يتفق ولو ليومٍ واحد على ارتداء قناع العاطفة.
الشوارع تتزيّن باللون الأحمر، المتاجر تمتلئ بالقلوب المصنّعة، والمنصّات الرقمية تضجّ بخطابات عن المشاعر، بينما الواقع، في عمقه، يسير في اتجاهٍ معاكس تمامًا.
كأن البشرية تحتفل بشيءٍ لم تعد تمتلكه، أو تُقيم طقسًا جنائزيًا لقيمة تحتضر.
نحن نعيش زمنًا لم يعد فيه الحب ضرورة وجودية، بل منتجًا موسميًا. زمنٌ تحوّلت فيه العلاقات إلى مشاريع قصيرة الأجل، تُدار بمنطق الربح والخسارة، وتُقاس بمدى المنفعة لا بعمق الانتماء. في هذا الواقع، لا مكان للصبر، ولا مساحة للبطء، ولا قيمة للتراكم الإنساني. كل شيء يجب أن يكون سريعًا، قابلًا للاستبدال، خاليًا من الألم… حتى المشاعر.
العالم الذي يُطالبنا اليوم بالاحتفال بالحب، هو ذاته العالم الذي شرّع القسوة، وطبع العنف، وطبّع الخذلان. عالمٌ تُكسر فيه الخواطر باسم الواقعية، وتُبرَّر الأنانية تحت لافتة «النجاح»، ويُقصى الضعفاء لأنهم لا يواكبون الإيقاع. في هذا السياق، يبدو الحديث عن الحب نوعًا من التناقض الأخلاقي، إن لم يكن نفاقًا جماعيًا.
لقد تغيّرت اللغة، ومعها تغيّر المعنى. لم نعد نتحدّث عن الحب بوصفه التزامًا ومسؤولية، بل بوصفه تجربة استهلاكية
متعة مؤقتة، دفء سريع، وعود بلا ذاكرة. حتى الجسد، الذي كان يومًا لغة صامتة للحميمية، جرى تفريغه من رمزيته، وتحويله إلى اختصار رخيص للعلاقة، وكأن العناق يمكنه أن يُعوّض غياب الأمان، أو أن يُصلح روحًا لم تُربَّ على المحبّة.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن الحب، حين يُختبر فعليًا، يُرفض.
عند الاختلاف، عند التعب، عند انكشاف العيوب، ينهار كل شيء. لأن ثقافة اليوم لا تحتمل الإنسان كما هو، بل كما يجب أن يكون وفق مقاييس السوق والقبول الاجتماعي. لم نعد نحب الأشخاص، بل الصور التي نكوّنها عنهم، وحين تتصدّع الصورة، نُسقط الإنسان معها بلا تردّد.
في هذا العالم، يكثر من يتحدّثون عن الحب، ويقلّ من يعرفون معناه. يطالبون بالاحتواء وهم عاجزون عن احتواء ذواتهم، ينادون بالصدق وهم محترفون في الأقنعة.
انفصامٌ جماعي بين الخطاب والممارسة، بين ما نعلنه وما نعيشه، حتى بات الحب تهمة، والوفاء عبئًا، والعمق مخاطرة غير مضمونة العواقب.
ولعلّ الأخطر من كل ذلك، هو أن الوحدة لم تعد نتيجة غياب الحب، بل نتيجة تشويهه.
كثيرون يعيشون وحدهم، لا لأنهم لم يجدوا من يحبّهم، بل لأنهم رفضوا المشاركة في هذه اللعبة القاسية.
لأن أرواحهم لم تقبل أن تتحوّل إلى سلع، أو أن تختصر ذاتها في علاقة بلا معنى.
في هذا السياق، يصبح الاحتفال بعيد الحب سؤالًا وجوديًا لا مناسبة اجتماعية
هل نحتفل لأن الحب حيّ، أم لأننا نخشى الاعتراف بموته؟
هل نُقدّم الورود تعويضًا عن عجزنا عن أن نكون أكثر رحمة بقية أيام السنة؟
ربما كان الحب، في صورته الأصيلة، لا يزال موجودًا، لكنه انسحب بصمت إلى الهوامش
إلى النفوس التي اختارت الصدق على اللمعان، والعزلة الواعية على العلاقات المزيّفة.
وربما كان الاحتفال الحقيقي بالحب، اليوم، هو أن نعيد تعريفه خارج السوق، خارج الضجيج، وخارج هذا اليوم الوحيد الذي نمنحه فيه ما حرمناه منه طوال العام.
ففي عالمٍ يتقن القسوة، يصبح الحب فعل مقاومة.
وفي زمنٍ يكرّس الفراغ، يصبح العمق شجاعة
