بودابست… حيث يصبح الفكر جسراً والسلام مسؤولية

بودابست دعاء أبوسعدة   

0 51

لم تكن زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى المجر مجرد انتقال جغرافي من جنوب المتوسط إلى قلب أوروبا، بل كانت انتقالًا رمزيًا من ضيق اللحظة إلى سعة المعنى، ومن لغة الخبر إلى أفق السؤال:

كيف يمكن للفكر أن يصبح جسرًا، وللدين أن يعود إلى جوهره الإنساني، وللإنسان أن يتصالح مع إنسانيته قبل أن يطالب العالم بالسلام؟

لقد أثبتت هذه الزيارة، رغم قصرها الزمني، أن الزمن لا يُقاس بعدد الأيام، بل بعمق الأثر. فهناك لحظات عابرة في التقويم، لكنها باقية في الوعي، لأنها تضع أول حجر في طريق طويل، وتفتح نافذة في جدار صلب من الصور النمطية وسوء الفهم.

في بودابست، لم يكن اللقاء مع الجالية المصرية والعربية مجرد تجمع اجتماعي، بل كان استعادة لمعنى الانتماء بوصفه مسؤولية أخلاقية، لا حنينًا عاطفيًا فقط. وطن يسكن العقل كما يسكن الجغرافيا، ورسالة لا تتوقف عند الحدود، لأن الإنسان — في جوهره — كائن كوني، يبحث عن معنى قبل أن يبحث عن هوية.

أما الحوار الديني والفكري، فقد جاء ليؤكد أن الأديان حين تتحرر من أثقال الروايات المتطرفة، وتعود إلى منابعها الأولى، تتحول من أدوات صراع إلى مصادر شفاء، ومن لافتات أيديولوجية إلى بوصلة أخلاقية تهدي الإنسان في زمن التيه. وهنا يتجلى جوهر مشروع مؤسسة رسالة السلام العالمية: تحرير النص من التوظيف، والعقل من الخوف، والدين من العنف.

إن المشروع التنويري الذي أطلقه المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لا يطرح نفسه كبديل صدامي، بل كدعوة هادئة لإعادة بناء الوعي، على أساس القرآن الكريم بوصفه خطابًا للحياة، لا مبررًا للموت، ورسالة للإنسان، لا أداة لإقصائه.

وفي هذا السياق، يصبح التواصل مع الجاليات في الخارج فعلًا حضاريًا بامتياز، لأن الجالية ليست هامشًا للوطن، بل امتدادًا لروحه في فضاء آخر. وحين يُخاطَب الإنسان بكرامته، لا بانتمائه الضيق، يتحول إلى شريك في بناء السلام، لا مجرد متلقٍ له.

هكذا، لم تنتهِ الزيارة بانتهاء برنامجها الرسمي، بل بدأت حيث انتهت. بدأت كسؤال مفتوح، وكوعد أخلاقي، وكإيمان راسخ بأن السلام لا يُفرض بالقوة، ولا يُستورد بالسياسة، بل يُبنى في الداخل… في العقل، وفي الضمير، وفي القدرة على رؤية الآخر إنسانًا قبل أي وصف آخر.

وتبقى رسالة السلام، في جوهرها، ليست طريقًا قصيرًا ولا سهلًا، لكنها الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.