في الأزمنة التي تتآكل فيها الدولة من الداخل قبل أن تُهدَّد من الخارج، يصبح الوعي مسألة سيادية.
فالدول لا تنهار حين تُهزم جيوشها، بل حين يُصاب وعي مواطنيها بالارتباك، ويختلط لديهم النقد بالعداء، والانفتاح بالذوبان، والحرية بالفوضى.
من هنا، لا يمكن قراءة تجربة الأستاذ الدكتور محمد يحيى زكريا غِيدَه خارج هذا السياق الأشمل، بوصفها ممارسة هادئة للسياسة بمعناها الثقافي العميق.
السياسة التي لا تُعلَن
لم يعتلِ الدكتور غِيدَه منبرًا سياسيًا، ولم يرفع شعارًا أيديولوجيًا، لكنه مارس أخطر أنواع الفعل العام
بناء الوعي.
فالوعي ليس خطبة، بل عملية طويلة المدى، لا تنتج ضجيجًا، لكنها تغيّر الاتجاه.
حين خرج أستاذ جامعة المنصورة، في مهام رسمية معتمدة من وزارة التعليم العالي، إلى جامعات ومراكز بحثية في الولايات المتحدة وروسيا والنمسا، لم يكن فقط ينقل معرفة تخصصية في علوم الحركة، بل كان يحمل معه نموذجًا مصريًا للأستاذ الذي:
• يحترم الدولة دون أن يبرر أخطاءها
• ينتمي للوطن دون أن يصادر العقل
• وينفتح على العالم دون أن يفقد البوصلة
قد يبدو غريبًا أن يبدأ مشروع وعي من أستاذ في الميكانيكا الحيوية، لكن المفارقة هنا هي جوهر الفكرة.
فمن يفهم حركة الجسد، يفهم منطق التوازن، وحدود القوة، وأهمية الانسجام بين الأجزاء.
وهي المفاهيم ذاتها التي تُبنى بها الدول.
في محاضراته وندواته الحوارية التي حملت عنوان “الوعي وبناء الأوطان” في عدد من العواصم الأوروبية، كان الخطاب بعيدًا عن التلقين، وقريبًا من التحليل
كيف يختلّ ميزان الدولة حين يختل وعي الفرد؟
وكيف يتحول الاغتراب الجغرافي إلى اغتراب سياسي؟
لم تكن الندوات محاولة لاستعادة الولاء، بل لإعادة تعريفه على أساس عقلاني
الولاء الواعي لا الولاء الغريزي.
الجاليات… حين تصبح ساحة اختبار للوعي
في الفلسفة السياسية، تُعد الجاليات مرآة دقيقة لقوة الدولة الناعمة. فالمواطن في الخارج أكثر عرضة لتفكيك هويته، وأكثر احتياجًا لخطاب متزن.
وهنا تحديدًا، جاء خطاب الدكتور غِيدَه موجّهًا لا لطمأنة الجاليات، بل لتحريرها من الاستقطاب.
لقد طرح في ندواته أسئلة شديدة الحساسية
• هل معارضة السياسات تعني معاداة الوطن؟
• كيف نمارس حرية التعبير دون أن نصبح أدوات لهدم ذواتنا؟
• ما الفرق بين النقد الواعي وخطاب الإحباط؟
وهي أسئلة سياسية بامتياز، لكنها قُدِّمت بلغة تربوية، تُفضّل الفهم على التعبئة، والنقاش على الاستقطاب.
القوة الناعمة حين تكون أخلاقية
في الأدبيات السياسية الحديثة، تُعد القوة الناعمة فاعلة فقط حين تكون أخلاقية، أي حين لا تفرض نفسها، بل تُقنِع.
وهنا، يمكن النظر إلى تجربة محمد غِيدَه بوصفها ممارسة واعية لهذه القوة
أستاذ جامعي، غير رسمي سياسيًا، لكنه فاعل وطنيًا، يعمل في الهامش، فيؤثر في العمق.
الجامعة بوصفها مؤسسة سيادية غير معلنة
تكشف هذه التجربة عن حقيقة مهملة
أن الجامعة، حين تُدار بعقل مفتوح، تتحول إلى مؤسسة سيادية غير معلنة، تصوغ وعي الأفراد الذين سيصوغون لاحقًا شكل الدولة، داخلها وخارجها.
وهنا، لا يبدو الدكتور غِيدَه حالة فردية، بل إشارة إلى ما يمكن أن يكون عليه دور الأستاذ الجامعي في زمن التحديات المركّبة.
في الخاتمة
ليس كل من يتحدث في السياسة صانع سياسة، وليس كل من يبني الوعي يرفع صوته.
وفي زمن الضجيج، قد يكون أكثر الأفعال تأثيرًا هو ذاك الذي يُمارَس بهدوء.
تجربة الأستاذ الدكتور محمد يحيى زكريا غِيدَه تذكّرنا بأن
الدولة التي تستثمر في الوعي…
لا تخشى المستقبل.
