حين تبقى البيوت نظيفة… والشوارع تبكي

بقلم د. تمام كيلاني

0 17

كثيرًا ما تتردّد على مسامعنا عبارة: «هذا ليس وطني، هذه دولتهم»،

وكأن الوطن مجرّد توقيع على ورقة، أو ختم على معاملة، أو صورة معلّقة خلف مكتب مسؤول.

بينما الحقيقة أكثر قسوة: الوطن أوسع من هذا التصوّر الضيّق، وأقرب إلينا مما نعتقد.

فالوطن ليس القصر الجمهوري، ولا مبنى الوزارة، ولا خطابًا يُلقى في نشرة الأخبار.

الوطن هو الطريق الذي تحفظ حفره لأنك سقطت فيه ذات مرة،

وهو المدرسة التي ما زال جدارها يحمل أثر اسمك،

وهو المقبرة التي تسلك طريقها دون سؤال، لأن فيها من سبقوك وتركوا لك المكان والذاكرة.

تبدأ المعضلة حين نختزل الوطن في السلطة؛

فنغضب من الحاكم، فنخاصم الشارع،

ونكسر مقعد الحديقة كأننا نعاقب البلدية،

ونرمي القمامة من نافذة السيارة ظنًّا أننا نتمرّد على الفساد.

لكننا في الواقع لا نثور… بل نهدم المساحة الوحيدة التي نعيش داخلها.

السلطة بطبيعتها متقلّبة؛ تولد، تكبر، ثم تزول،

أما الوطن فباقٍ لا يتبدّل.

قد تخذلك السلطة،

لكن الوطن لا يخذلك إلا إذا كنت أنت أول من خانه.

المفارقة المؤلمة أننا داخل بيوتنا نُتقن النظام حدّ الوسوسة؛

نغضب إن تحرّك كرسي من مكانه،

وننزعج من بقعة صغيرة على الأرض.

لكننا ما إن نخرج إلى الفضاء العام حتى نخلع هذا الانضباط عند العتبة،

كأن الشارع بلا ذاكرة،

وكأن المدرسة لا تشعر،

وكأن المستشفى لا ينهار حجرًا بعد حجر.

وحين تعود بي الذاكرة إلى أكثر من نصف قرن،

أتذكّر بعض الصبية الذين كانوا يكسرون المصابيح التي تضيء للناس الطريق،

في زمنٍ كان فيه للكهرباء حضور،

وكأن الضوء عدوّ يجب إطفاؤه، لا نعمة تُصان.

وأقارن ذلك باليافع الأوروبي، أو النمساوي تحديدًا،

كيف يحافظ على أثاث مدرسته كأنه ملكه الشخصي،

وعلى مقاعد البلدية في الحدائق العامة كأنها جزء من بيته،

لا تُخدَش، ولا تُكسَر، ولا تُهان.

ثم تمتد المقارنة إلى أبسط التفاصيل وأكثرها دلالة:

الحمّامات العامة.

في أوروبا تدخلها مطمئنًا، بلا توتر ولا اشمئزاز،

بينما عند دخولنا حمّامات الدوائر الحكومية أو المدارس،

بل وحتى بعض المساجد،

تُجبَر على البقاء متوترًا قبل الدخول،

لا خوفًا من المكان، بل صدمةً من حاله الصحي،

كأن الكرامة تُترك عند الباب.

نرفع أصواتنا مطالبين بالحقوق،

ثم نتهرّب من الواجبات في صمت.

نلعن الفوضى، ثم نمارسها.

نشتكي من غياب العدالة، ثم نتجاوز الدور.

نغضب من الإهمال، ثم نُهمِل.

الوطن لا يُشيَّد بالنصوص الدستورية وحدها،

بل بالسلوك اليومي البسيط:

أن تحترم الإشارة، لا خوفًا من العقوبة، بل احترامًا للآخر.

أن تحافظ على المكان، لا لأنه مراقَب، بل لأنه ليس ملكك وحدك.

أن تنتقد الحكومة، نعم،

لكن دون أن تحطّم المرآة التي ترى فيها صورتك.

أخطر ما قد يصيب شعبًا ما،

ليس سوء إدارة حكومته،

بل فقدانه الإحساس بأن هذا المكان يخصّه.

عندها يصبح التخريب أمرًا عاديًا،

والكذب مهارة،

والفوضى مجرّد وجهة نظر.

الوطن لا يحتاج إلى مواطنين غاضبين فقط،

بل إلى مواطنين مسؤولين.

لا يحتاج إلى شعارات،

بل إلى سلوك.

ولا يُقاس حبّه بعدد المنشورات،

بل بمقدار الحرص عليه حين لا يرانا أحد.

نحن نحافظ على بيوتنا كأنها أماكن مقدّسة،

لكن الشوارع التي نعبرها يوميًا تُترك للوسخ بلا رقيب ولا ضمير.

الشارع والحديقة العامة مرآتنا الحقيقية،

لا الحكومة، ولا المسؤول، بل نحن.

وحين نغضب من الإدارة ونترك أثرنا السيّئ في المكان،

نكون في الحقيقة ننتقم من الوطن، لا من السلطة.

فالوطن لا يُدار فقط،

الوطن يُصان ويُحترم، حتى في أبسط تفاصيل الحياة.

نظافة البيوت وحدها لا تصنع وعيًا،

أما الشوارع النظيفة…

فهي دليل شعب يعرف قيمة نفسه .

د. تمامً كيلاني 

فيينا / النمسا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.