قاعدة بيانات الوكالة تحسم الجدل: النظام الغذائي هو العامل الأبرز وراء تصاعد البدانة
فيينا دعاء أبوسعدة
حسمت بيانات علمية حديثة صادرة عن قاعدة بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن التغذية جدلاً استمر لعقود حول الأسباب الجذرية لتصاعد معدلات البدانة،
مؤكدة أن زيادة السعرات الحرارية المتناولة تمثل العامل الرئيسي وراء انتشار البدانة في المجتمعات الصناعية، وليس انخفاض مستويات النشاط البدني كما هو شائع.
وجاءت هذه النتائج ضمن دراسة علمية دولية واسعة شارك فيها أكثر من 50 مؤسسة بحثية من 19 دولة، ونُشرت في مجلة الوقائع الصادرة عن الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، لتقدم رؤية قائمة على بيانات دقيقة، وتعيد توجيه النقاش الصحي العالمي نحو دور النظام الغذائي في المقام الأول.
أزمة صحية تتفاقم عالمياً
تشير التقديرات إلى أنه في عام 2022 كان ما يقرب من واحد من كل ثمانية أشخاص حول العالم يعاني من البدانة، بعد أن تضاعفت معدلات الإصابة بين البالغين وارتفعت أربعة أضعاف بين المراهقين خلال العقود الثلاثة الماضية.
وترتبط البدانة بزيادة خطر الإصابة بأمراض غير معدية خطيرة، من بينها السكري وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، ما يجعلها أحد أبرز التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين.
ورغم أن البدانة تنتشر بشكل أكبر في الدول ذات الدخل المرتفع، فإنها تظل أقل شيوعاً في المجتمعات التقليدية والزراعية.
وقد جرى تفسير هذا التفاوت لفترة طويلة بارتفاع مستويات النشاط البدني في تلك المجتمعات، غير أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التفسير لا يعكس الصورة الكاملة.
أدلة علمية تتجاوز الافتراضات
اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات الماء المزدوج الترقيم التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي أكبر قاعدة بيانات عالمية لقياسات استهلاك الطاقة في الجسم البشري، جُمعت باستخدام تقنية قائمة على النظائر المستقرة، وتضم بيانات من 45 دولة.
وشملت الدراسة تحليل بيانات 4213 شخصاً بالغاً تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً، يمثلون 34 فئة سكانية من ست قارات، وينتمون إلى نظم اقتصادية وأنماط حياة متنوعة. وأظهرت النتائج أن سكان الاقتصادات الصناعية يستهلكون طاقة أعلى إجمالاً، سواء من حيث النشاط البدني أو إجمالي الإنفاق اليومي للطاقة.
إلا أن الفروق في معدلات استهلاك الطاقة، وبعد تعديلها لمراعاة اختلاف أحجام الأجسام، لم تفسر سوى نحو 10% فقط من الزيادة في مؤشر كتلة الجسم ونسب الدهون.
وفي المقابل، تبين أن كمية الطاقة المتناولة هي العامل الأكثر ارتباطاً بارتفاع معدلات البدانة.
إعادة توجيه السياسات الصحية
وقال البروفيسور هيرمان بونتزر، أستاذ الأنثروبولوجيا التطورية والصحة العالمية في جامعة ديوك وأحد مؤلفي الدراسة،
إن هذه النتائج تسهم في توضيح الدور النسبي لكل من النظام الغذائي والنشاط البدني، وتساعد على تجاوز حالة عدم اليقين التي أحاطت بأسباب البدانة لسنوات طويلة.
من جانبها، أكدت كورنيليا لوكل، رئيسة قسم الدراسات البيئية المتعلقة بالتغذية والصحة في شعبة الصحة البشرية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن النتائج تحمل دلالات مهمة لصنّاع القرار، مشيرة إلى أن السياسات التي تركز على تحسين جودة النظم الغذائية والحد من استهلاك الأغذية الغنية بالسعرات الحرارية والأغذية فائقة المعالجة قد تكون أكثر فاعلية في مواجهة البدانة من السياسات التي تركز فقط على زيادة النشاط البدني.
بين الغذاء والحركة
وتخلص الدراسة إلى أن النشاط البدني يظل عنصراً أساسياً للصحة العامة، لكنه ليس العامل الحاسم في تفسير الارتفاع المتسارع لمعدلات البدانة في المجتمعات الغنية. فالمعادلة، وفقاً للبيانات، تميل بوضوح لصالح النظام الغذائي، في ظل وفرة غذائية عالية السعرات تتجاوز احتياجات الجسم الفعلية.
وبذلك، تفتح هذه النتائج الباب أمام إعادة صياغة الاستراتيجيات الصحية، وتدعو إلى التعامل مع البدانة بوصفها قضية ترتبط بأنماط الاستهلاك الغذائي وجودته بقدر ارتباطها بالحركة، في خطوة قد تسهم في بناء سياسات أكثر واقعية وتأثيراً لمواجهة أحد أخطر التحديات الصحية المعاصرة.
