من داخل أروقة الأمم المتحدة في فيينا، ترسخ مصر حضورها كفاعل قانوني مؤثر في لحظة إعادة تشكيل عميقة لنظام تسوية منازعات الاستثمار، حيث يشارك وفدها الرسمي برئاسة المستشار مصطفى البهبيتي، مساعد وزير العدل لقطاع التحكيم والمنازعات ورئيس الأمانة الفنية للجنة الوزارية لتسوية منازعات عقود الاستثمار، في أعمال الدورة الرابعة والخمسين لمجموعة العمل الثالثة التابعة للأونسيترال (UNCITRAL).
ولم تعد المشاركة المصرية مجرد حضور إجرائي، بل غدت مساهمة نوعية في صياغة قواعد جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمستثمر، في إطار دولي يتجه نحو مزيد من الاتساق والشفافية. ويعكس هذا الدور التزاما مؤسسيا ممتدا، إذ حافظت اللجنة الوزارية على حضورها الفاعل منذ تأسيس المجموعة، مدفوعة برؤية استراتيجية تستوعب التحولات البنيوية التي يشهدها هذا النظام الحيوي.
وفي قلب هذه المداولات، تؤدي مصر دور «الضامن القانوني» لتوازن بالغ الدقة: حماية الحق السيادي في التنظيم واتخاذ القرار، مقابل ترسيخ بيئة استثمارية مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وهو ما يجسد انتقالا واعيا من منطق إدارة النزاع إلى منطق صناعته قانونيا بشكل استباقي، عبر الإسهام في وضع القواعد ذاتها.
وتناقش الاجتماعات قضايا محورية، من بينها إقرار الاختصاص الحصري، واستحداث آلية استئناف دولية على غرار «محكمة استئناف» بهدف توحيد الاجتهادات ومنع تضارب الأحكام، في طرح يثير تحديات فنية مع نظام الأكسيد(ICSID) القائم على نهائية الأحكام.
كما تبرز تعقيدات التوفيق مع قواعد مؤسسات تحكيمية أخرى كغرفة التجارة الدولية (ICC)، في ظل تباين توجهات المستثمرين، مقابل توجه أممي واضح نحو تعزيز الشفافية وإتاحة وثائق القضايا للرأي العام.
وتتصدر كذلك مسألة استقلال المحكمين والحد من تعدد الأدوار جدول النقاشات.
وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية استراتيجية، لما سيكون لها من أثر مباشر على تسوية النزاعات في قطاعات حيوية مثل الطاقة والتعدين والبنية التحتية، بما يعيد صياغة بيئة الاستثمار وفق معايير أكثر عدالة واستقرارا.
ويأتي هذا الحضور في سياق نهج إصلاحي أوسع تتبناه الدولة المصرية لتحديث منظومة تسوية منازعات الاستثمار، مدعوما بخطوات نوعية، من أبرزها توقيع اتفاقية سنغافورة للوساطة، بما يعزز من أدوات الحلول البديلة ويرسّخ الثقة في الإطار القانوني المنظم للاستثمار.
بهذا الأداء المتقدم، تكتب مصر فصلا جديدا في دورها الدولي ليس فقط كطرف في منظومة القواعد، بل كأحد مهندسيها
مؤكدة أن موقعها لم يعد عند حدود التفاعل مع القانون الدولي، بل بات في صميم صناعته
