فيينا تستمع إلى أنين الخرطوم… والسودان يراهن على 2026 عامًا للسلام

فيينا دعاء أبوسعدة

0 27

في القاعات الهادئة لمقرّ الأمم المتحدة في فيينا، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع ضمير العالم، ارتفع اليوم صوت السودان محمّلًا بثقل الألم ورجاء الخلاص. 

اجتماعٌ خُصِّص لمناقشة الوضع الإنساني في البلاد، لكنه بدا في جوهره مواجهة صريحة بين صور المعاناة وإرادة الحياة.

قدّم السفير مجدي مفضّل، سفير جمهورية السودان لدى فيينا والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، إحاطةً شاملة حول التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية في السودان، بحضور عدد من السفراء وممثلي الدول، من بينهم سفراء وممثلو جمهورية مصر العربية، وجامعة الدول العربية، والجزائر، وتركيا، العراق ، سوريا إلى جانب سفراء عدد من الدول الأفريقية.

لم تكن الإحاطة تقريرًا تقنيًا بقدر ما كانت شهادةً على مرحلة مفصلية من تاريخ السودان؛ مرحلة تتنازعها نار الحرب وإرهاصات السلام.

2026… أفقٌ مفتوح على السلام

في عرضٍ اتسم بالوضوح والثقة، أكد السفير مفضّل أن العام 2026 يُتوقَّع أن يشهد تحقيق السلام والاستقرار في السودان، استنادًا إلى ما وصفه بـ”التطورات الإيجابية الجارية في البلاد”. وأشار إلى مبادرة حكومة السودان للسلام التي قُدِّمت إلى مجلس الأمن، باعتبارها إطارًا وطنيًا جامعًا يسعى إلى إنهاء النزاع عبر مسار سياسي مسؤول.

كما استعرض التقدم المضطرد للقوات المسلحة في مختلف مسارح العمليات، وعودة الحكومة إلى العاصمة، ورفع الحصار عن مدينتي الدلنج وكادقلي، واستئناف الرحلات الداخلية عبر مطار الخرطوم الدولي، بوصفها مؤشرات عملية على استعادة الدولة لعافيتها المؤسسية والأمنية.

ولم يكن الرقم عابرًا حين أشار إلى عودة أكثر من أربعة ملايين نازح ولاجئ إلى ديارهم منذ يناير 2025، في حركةٍ عكسية تُجسّد بحسب تعبيره “إيمان السودانيين بأن الأرض التي أحرقتها الحرب قادرة على أن تُزهر من جديد”.

بين صور الألم ومسؤولية العالم

تخلّل الاجتماع عرض صور ومقاطع فيديو توثّق حجم المعاناة الإنسانية والظروف القاسية التي يعيشها المدنيون. 

مشاهد لمستشفياتٍ استُهدفت، وأحياءٍ تحوّلت إلى أطلال، ووجوهٍ أنهكها النزوح والخوف.

وفي هذا السياق، جدّد السفير السوداني إدانته لما وصفه بجرائم وفظائع المتمردين،

 مشيرًا إلى استهداف قافلة برنامج الغذاء العالمي في شمال كردفان، ومقتل اثنين وعشرين مدنيًا في قصف مستشفى الكويك بجنوب كردفان، فضلًا عن مقتل أكثر من ثلاثمائة من المختطفين والمحتجزين في سجن شالا بالفاشر.

وأكد أن هذه الأحداث تمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة، لا الصمت .

دعوة صريحة إلى تحمّل المسؤولية

وفي خطاب اتسم بالصرامة، دعا السفير مجدي مفضّل المجتمع الدولي إلى التعاون الجاد لتحقيق السلام، عبر جملة من الإجراءات الواضحة

 • الضغط على متمردي قوات الدعم السريع وداعميهم، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة، لوقف دعم التمرد.

 • إبعاد داعمي التمرد عن أي جهود تتعلق بعملية السلام، ضمانًا لنزاهتها وفاعليتها.

 • ضمان مساءلة المتمردين عن الفظائع والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.

 • زيادة الدعم المخصص للمساعدات الإنسانية وبرامج التعافي وإعادة الإعمار.

وشدّد على أن أي محاولة لفرض السلام من الخارج دون معالجة جذور الأزمة لن تكون سوى هدنة مؤقتة، “تتجدد بعدها الحرب بأشكال أكثر قسوة”، مؤكدًا أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على العدالة والسيادة الوطنية.

بين السياسة والضمير

المشاركون في الاجتماع أكدوا بدورهم أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية لدعم الاستقرار في السودان وتعزيز الاستجابة الإنسانية. غير أن الاجتماع بدا، في عمقه، امتحانًا لإرادة المجتمع الدولي

هل يكتفي بإحصاء الضحايا، أم ينخرط في صناعة السلام؟

في فيينا، لم يكن السودان مجرد بندٍ على جدول الأعمال، بل كان سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا. 

سؤالًا عن معنى التضامن، وعن قدرة العالم على أن يسمع – حقًا – أنين الخرطوم ودارفور وكردفان.

وبين صور الألم التي عُرضت، وكلمات الأمل التي أُطلقت، ظلّ الأفق معلقًا على عام 2026… عامٍ يريده السودانيون بدايةً لسلامٍ لا يُكتب بالحبر الدبلوماسي وحده، بل بإرادة شعبٍ أنهكته الحرب ولم يفقد إيمانه بالحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.