قراءة نقدية أدبية في تجربة فنان يراهن على السؤال لا الإجابة
في أعمال فائق رسول لا يظهر المعنى دفعة واحدة، بل يتقدّم مترددًا، كضوءٍ خجول يخرج من عتمة الذاكرة.
هنا، لا تكون اللوحة وعدًا بالجمال، بل اختبارًا للقدرة على الاحتمال، وعلى النظر في الفراغ دون استعجال.
لا يقدّم فائق رسول نفسه بوصفه فنانًا يسعى إلى الإقناع، بل بوصفه
فنانًا يختبر حدود الاحتمال البصري. فلوحته لا تستقبل المتلقي بقدر ما تضعه في موضع المساءلة، وكأن الدخول إليها مشروط بالقبول بالقلق.
منذ اللحظة الأولى، ندرك أننا أمام تجربة لا تراهن على السهولة، ولا تعوّل على الإبهار، بل تمضي بثبات نحو منطقة أكثر هشاشة وتعقيدًا
منطقة المعنى قبل اكتماله.
تتأسس تجربة فائق رسول على اختزال لوني صارم يكاد يكون تعهّدًا أخلاقيًا أكثر منه خيارًا جماليًا. الأبيض والأسود ليسا عنصرين تشكيليين فحسب، بل موقفان متقابلان من الوجود.
غير أن هذا التقابل لا يُطرح بوصفه ثنائية صراعية تقليدية، بل كعلاقة غير متوازنة، يهيمن فيها الأبيض بوصفه فراغًا متمدّدًا، فيما يتكثّف الأسود ككتلة دفاعية تحاول تثبيت ذاتها داخل هذا الاتساع. هنا، لا يمنح الفنان المتلقي نقطة ارتكاز مريحة، بل يتركه معلّقًا بين الامتلاء والغياب.
غير أن السؤال النقدي الذي تفرضه هذه التجربة هو
إلى أي مدى يظل هذا الاختزال منتجًا دلاليًا، لا أسلوبًا مغلقًا على ذاته؟ فالإصرار شبه المطلق على الأبيض والأسود، رغم ما يمنحه من هوية بصرية واضحة، يضع المشروع الفني في اختبار الاستمرارية.
ومع ذلك، يبدو أن فائق رسول واعٍ بهذه المخاطرة، ويقبل بها، بل يجعل منها جزءًا من بنية عمله، كأن التكرار نفسه يتحول إلى أداة فحص، لا إلى ضعف.
لا يمكن فصل هذا الخيار الجمالي عن سيرة الفنان، لا بوصفها مادة سردية، بل بوصفها خلفية وجودية.
فالمنفى الذي عاشه منذ خروجه من العراق واستقراره في فيينا لم يتحول في أعماله إلى موضوع مباشر، بل إلى حالة كامنة، تتجلى في التوتر الدائم بين الكتلة والفراغ، وبين الرغبة في الظهور والخوف من الاكتمال.
إن اختفاء الشكل الإنساني الصريح لا يعني غيابه، بل تحوّله إلى أثر، إلى طاقة متوارية، تُستشعر أكثر مما تُرى.
في هذا السياق، يبدو التجريد عند فائق رسول أقرب إلى ذاكرة مُنقّاة من التفاصيل.
الحروف، العلامات، والخطوط التي تشبه بقايا كتابة على جدار مهجور، لا تُقدَّم بوصفها رموزًا قابلة للفك، بل بوصفها شواهد على فعل قول لم يكتمل. إنها ليست لغة، بل أثر لغة، وهنا تكمن قوتها كما تكمن هشاشتها. فبينما تمنح هذه العناصر العمل عمقًا تأمليًا، فإنها في الوقت نفسه تُبعده عن المتلقي الذي يبحث عن مرجع واضح أو سردية ملموسة.
أما الإيروتيكية التي تسكن أعمال رسول، فهي إيروتيكية غير مباشرة، لا تستدعي الجسد بوصفه صورة، بل بوصفه توترًا.
إنها تظهر في العلاقة بين الأبيض والأسود، في الاقتراب الذي لا يكتمل، وفي المسافة التي لا تُلغى.
غير أن هذا البعد، على رهافته، يظل مهددًا بأن يتحول إلى إحساس دائري، يعيد إنتاج ذاته دون انفجار حقيقي، ما لم يُعاد شحنه بتحولات داخلية جديدة.
لا يمكن تجاهل دور فائق رسول خارج اللوحة، بوصفه فنانًا لعب دورًا ثقافيًا مؤثرًا في المشهد الفني النمساوي من خلال إدارته لـ«الجاليري الصغير» في فيينا لسنوات طويلة.
غير أن هذه التجربة المؤسسية، على أهميتها، تطرح سؤالًا إضافيًا
إلى أي مدى أثّر هذا الدور على صرامة مشروعه الفني؟
هل أضاف إليه وعيًا أوسع بالسياق، أم فرض عليه نوعًا من التوازن الحذر؟
سؤال يظل مفتوحًا، كما تظل أعماله نفسها.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى تجربة فائق رسول بوصفها تجربة مكتملة أو مغلقة.
إنها مشروع قلق، متردد عمدًا، يفضّل الوقوف على الحافة بدل الاستقرار في منطقة مضمونة. وهو في ذلك يقدّم فنًا لا يطمئن، ولا يسعى إلى مصالحة العين، بل يدفعها إلى إعادة التفكير في علاقتها بالصورة، وبالفراغ، وبالغياب.
إن قوة فائق رسول لا تكمن في تقديم إجابات بصرية نهائية، بل في إصراره على إبقاء السؤال مفتوحًا.
وهذا بالضبط ما يمنح تجربته قيمتها في زمن يميل فيه الفن إلى الاستهلاك السريع
أن يكون العمل الفني مساحة للتفكير، لا منتجًا للطمأنينة.

