في اللحظة التي تُطوى فيها صفحة عمل الدكتورة غادة والي في الأمم المتحدة بفيينا، لا نشهد نهاية مرحلة، بقدر ما نرى اكتمال دائرة من الضوء؛ دائرة بدأت بخطوة واثقة لامرأة آمنت أن النفوذ الحقيقي لا يحتاج إلى سلطة، وأن السلطة نفسها لا قيمة لها إذا لم تُصغِ لنبض الإنسان.
د.غادة والي… اسم أصبح، مع الزمن، ممثلًا لصوت نادر في المشهد الدولي
صوت يوازن بين الحزم والرحمة، وبين الواقعية السياسية والبصيرة الإنسانية.
لم تكن مجرد أول مصرية وعربية أفريقية تتولى منصب المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) والمدير العام لمكتب الأمم المتحدة في فيينا (UNOV)، بل كانت أول من أعاد لهذه المناصب تعريفها العملي والأخلاقي.
فقد جاءت بفكرة واضحة أن العالم لا يحتاج إلى إداريين جدد، بل إلى قادة يفهمون هشاشة الإنسان وقسوة اللحظة التاريخية.
حين يصبح المنصب نافذة لا جدارًا
لم تُمارس والي الإدارة بوصفها سلسلة من التقارير والجداول الزمنية، بل كفن يتقاطع فيه القانون مع الفلسفة، والإحصاء مع الحلم.
كانت تؤمن بأن السياسات التي لا تُلامس حياة الناس تبقى أوراقًا بلا ظل، وأن العدالة التي تُناقش في غرف الاجتماعات يجب أن تجد طريقها إلى الأزقة البعيدة، إلى القرى المنسية، إلى المهاجر المجهول والضحية التي لا يذكرها الإعلام.
ارتفاع ميزانية مكتبها من 260 مليون دولار إلى 500 مليون دولار لم يكن مجرد نجاح إداري، بل انعكاسًا لإيمانها العميق بشركائها.
جعلت العدالة استثمارًا أخلاقيًا لا بندًا ماليًا، وأثبتت أن المشاريع الإنسانية يمكن أن تكون أكثر جدوى من المشاريع الربحية إذا صُمّمت بضمير ورؤية.
من الفكرة إلى المعاهدة… ومن المعاهدة إلى المستقبل
حين قادت الجهود الدولية لتأسيس أول معاهدة عالمية حول الجرائم السيبرانية، كانت تتقدم بخطوة إلى زمن لم يصل إليه كثيرون بعد.
أدركت مبكرًا أن العالم لم يعد يحارب فقط على الأرض، بل في فضاءات رقمية تتسع بقدر ما تتوحش.
المعاهدة لم تكن مجرد نص قانوني؛ بل كانت محاولة فلسفية لجعل التكنولوجيا حليفًا للإنسان لا أداة تهديد بلا ضوابط.
بهذا الإنجاز، لم تمثل مصر أو إفريقيا أو الدول العربية فحسب، بل مثلت كل دولة نامية تحلم بالانتقال من موقع المتلقي إلى صانع القرار.
مثّلت حلم الجنوب العالمي في أن يكون حاضرًا داخل صياغة المستقبل، لا واقفًا على الهامش ينتظر إملاءات القوى الكبرى.
الإنسان… البوصلة التي لم تخطئها يومًا
من الممرات الباردة في مقرات الأمم المتحدة إلى المناطق الأكثر ألمًا وانكسارًا في العالم،
حملت والي فلسفة واحدة
الإنسانية ليست شعارًا، بل مسؤولية شخصية.
في أفغانستان، الصومال، هاييتي، وفي الأماكن التي لا تذكرها الأخبار، دعمت برامج لم تكن مجرد مساعدات طارئة، بل بذور قدرة؛ منح للشعوب كي تستعيد وقوفها، لا مسكنات وقتية تترك الجرح مفتوحًا.
كانت ترى أن الكرامة أهم من المساعدة، وأن بناء الإنسان أهم من توزيع الإغاثة.
ولهذا أصبح أثرها أعمق من حدود ولايتها، لأن العمل الذي يبدأ بالإنسان يستمر حتى بعد غياب صاحبه.
أثر يشبه لمعان الشهاب
مرورها في الأمم المتحدة لم يكن طويلًا بحساب الزمن، لكنه كان كثيفًا بحساب الأثر.
كانت شهابًا عبر السماء الدولية… ما إن يعبر حتى يترك أثرًا من نور يُرى رغم المسافة.
تركت أثرًا في السياسات، المبادرات، فرق العمل التي شكلتها، المفاهيم التي أعادت صياغتها، وفي ثقة الدول النامية بأن أصواتها يمكن أن تُسمع حين ينهض بها من يؤمن بها.
دكتورة والي غادرت المكتب، لكنها لم تغادر الأثر.
بقيت في كل معاهدة تُطبَّق، في كل برنامج يواصل النمو، وفي كل شاب وشابة في منظومة الأمم المتحدة يحملان اليوم بذرة من طريقتها في التفكير.
ختامًا…
حين تخرج امرأة عربية من أروقة الأمم المتحدة وقد تركت وراءها هذا القدر من البصمة، فإن العالم لا يخسر مسؤولًا، بل يكسب نموذجًا.
نموذجًا يذكّر الجميع بأن القيادة ليست صرخة، بل هدوء واثق.
وليست سلطة، بل رؤية.
وليست منصبًا، بل إرثًا تتنفسه الأجيال
لقد شرّفتِ مصر… وتركْتِ بصمةً لن تُمحى

