شابٌ مصري يعيد رسم خريطة الدواء من بودابست إلى القاهرة

بودابست – دعاء أبو سعدة

0 0

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول الهجرة والهوية والانتماء، وتتشابك فيه معاني النجاح بالغربة والابتعاد، تبرز قصص نادرة لا تكتفي بتحقيق المجد الفردي، بل تحوّله إلى رسالة، ولا ترى في الرحيل قطيعة مع الجذور، بل امتدادًا واعيًا لها.

ومن بين هذه القصص المضيئة، تلمع تجربة شادي عرفان، الشاب المصري الذي استطاع أن يشق طريقه بثبات في قلب أوروبا، وأن يحوّل المعرفة والخبرة إلى جسرٍ اقتصادي وصناعي يربط بين مصر والمجر، رافعًا اسم بلاده في واحد من أكثر القطاعات حساسية وتعقيدًا: صناعة الدواء.

وُلد شادي عرفان في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، حيث تتشكّل الأحلام مبكرًا في بيئة تعرف قيمة التعليم والاجتهاد. 

تخرّج في كلية الصيدلة بجامعة MIU عام 2008، حاملاً رؤية مبكرة للصناعة الدوائية، لا بوصفها مهنة تقليدية، بل باعتبارها علمًا يخدم الإنسان، واقتصادًا يحمي الأوطان، وأداة من أدوات السيادة الوطنية.

ومنذ عام 2010 وحتى 2016، خاض تجربة عملية ثرية داخل السوق الدوائي المصري، تعرّف خلالها على تفاصيل الصناعة من الداخل، واكتسب خبرة حقيقية في التعامل مع التحديات التنظيمية والفنية لسوقٍ معقّد ومتغيّر، وهي مرحلة شكّلت الأساس الصلب لما سيأتي لاحقًا.

لكن الطموح، حين يكون عميقًا، لا يعترف بحدود الجغرافيا.

انتقل شادي عرفان إلى المجر، حيث شغل منصب Sales Manager في واحدة من كبرى الشركات العالمية المتخصصة في تصنيع وتصدير المواد الخام الدوائية إلى مختلف دول العالم. هناك، لم يكن مجرد مدير مبيعات ناجح، بل عقلًا تحليليًا تشكّل على فهم دقيق لتشريعات الاتحاد الأوروبي الصارمة، ومتطلبات الأسواق الدولية، وفلسفة الجودة التي لا تقبل أنصاف الحلول. 

وحتى فبراير 2020، كان قد راكم خبرة نادرة ورؤية شاملة للسوق العالمي في مجال الصناعات الدوائية.

وفي لحظة فارقة، انتقل من موقع الإدارة إلى فضاء الريادة.

ففي فبراير 2020، أسّس شركته الخاصة Hungypt Pharma Kft، ومقرها الرئيسي بودابست، لتكون أكثر من كيان تجاري، بل منصة استراتيجية تربط بين السوق الأوروبي والسوق المصري، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الدواء المصري يمتلك القدرة على المنافسة عالميًا متى توفّرت له الأدوات والمعايير المعترف بها دوليًا.

تخصصت الشركة في التوزيع الحصري للمواد الخام الدوائية في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مستندة إلى شبكة واسعة من الشراكات مع موردين ومصنّعين معتمدين عالميًا. ولم يكن النجاح وليد الصدفة، بل نتيجة التزام صارم بالجودة، واستمرارية في التوريد، وبناء علاقات طويلة الأمد قائمة على الثقة. ويكفي أن يمثّل السوق المصري نحو 45% من حجم مبيعات الشركة، في دلالة واضحة على عمق الحضور المصري، وعلى الثقة المتبادلة بين الشركة والصناعة الوطنية.

ولا تقتصر خدمات Hungypt Pharma Kft على توريد المواد الخام، بل تمتد إلى تقديم منظومة متكاملة من خدمات الامتثال لمعايير EU GMP، التي تُعد البوابة الحقيقية لدخول الأسواق الأوروبية. فوفق تشريعات الاتحاد الأوروبي، تخضع جميع المنتجات المصنعة خارج الاتحاد لإجراءات اختبار وتقييم دقيقة داخل معامل معتمدة، فضلًا عن مراجعة شاملة لأنظمة الجودة والوثائق من قِبل أشخاص مؤهلين أوروبيين. 

هذا المسار المعقّد، الذي يمثّل تحديًا حقيقيًا أمام كثير من المصانع في الدول النامية، استطاعت الشركة أن تحوّله إلى فرصة.

وقد نجحت بالفعل في دعم أحد أكبر مصانع الأدوية في مصر للحصول على متطلبات التصدير الأوروبي، بما أسهم في رفع تنافسية الدواء المصري وتعزيز حضوره في الأسواق العالمية. 

كما تشمل خدمات الشركة نقل الطرق التحليلية، واختبار وإصدار المنتجات المعقمة وغير المعقمة، والمنتجات البيولوجية، وتقييم الوثائق، وإصدار شهادات التحليل والدفعات وفق أحدث متطلبات وكالة الأدوية الأوروبية، مع الالتزام الكامل بسلامة البيانات وأنظمة LIMS المعتمدة.

ولا تتوقف الرؤية عند حدود التصدير، بل تمتد إلى نقل التكنولوجيا الدوائية الحديثة إلى مصر، وتوفير أدوية الأورام سواء كمنتج نهائي أو مواد فعالة، انطلاقًا من فلسفة ترى في الصناعة الدوائية ركيزة للأمن الصحي، لا مجرد نشاط تجاري محكوم بمنطق السعر.

وقد حظيت الشركة بثقة المؤسسات الرسمية في المجر، إذ أصبحت عضوًا في HEPA – Hungarian Export Promotion Agency، وشارك د. شادي عرفان ضمن وفد رسمي لرجال الأعمال برفقة وزير الخارجية المجري Péter Szijjártó إلى مصر في فبراير 2022، في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وفي عام 2025، كانت Hungypt Pharma Kft الشركة الدوائية المجرية الوحيدة المشاركة في الوفد التجاري بين مصر والمجر، في شهادة واضحة على مكانتها ودورها المحوري.

كما شارك رئيسها في بعثات رسمية إلى مصر والبحرين، وحضر لقاءات رفيعة المستوى ضمّت مسؤولين مصريين ومجريين، من بينهم وزيرة التعاون الدولي المصرية وهيئة الاستثمار، بهدف تعزيز التبادل التجاري، خاصة في مجالات صناعة الدواء والتكنولوجيا. ولم تغب الشركة عن الفعاليات الدولية، حيث لبّت دعوات رسمية بالتعاون مع HEPA وسفارات دولية، من بينها دولة الإمارات، في سياق توسيع آفاق التعاون الإقليمي.

إن قصة شادي عرفان ليست مجرد سيرة رجل أعمال ناجح، بل نموذج فلسفي لمعنى النجاح في الخارج

أن تنجح دون أن تنفصل، وأن تتقدّم دون أن تنسى من أين بدأت، وأن تحوّل خبرتك الفردية إلى قيمة مضافة لوطنك.

هكذا، لا تصبح الغربة نقيضًا للوطن، بل امتدادًا له.

وحين يلتقي العلم بالطموح، وتلتقي الخبرة بالمسؤولية، يولد نجاحٌ لا يخص صاحبه وحده، بل يخص وطنًا كاملًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.