في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها صناعة البتروكيماويات عالميًا، وما يصاحبها من ضغوط متزايدة على الهوامش وارتفاع تكاليف التشغيل، أعلنت شركة (سابك) عن توقيع صفقات تخارج من بعض أعمالها في أوروبا والأمريكيتين بقيمة إجمالية تبلغ 950 مليون دولار أمريكي، في خطوة تعكس توجهًا استثماريًا مدروسًا لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز كفاءة استخدام رأس المال.
وتشمل الصفقات بيع أعمال البتروكيماويات في أوروبا، إلى جانب أعمال اللدائن الهندسية الحرارية في أوروبا والأمريكيتين،
ضمن برنامج الشركة لتحسين باقة الأعمال والتركيز على الأنشطة التي تتمتع بعوائد أعلى ومزايا تنافسية أكثر استدامة.
سياق اقتصادي ضاغط
يأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه الصناعة في أوروبا على وجه الخصوص تحديات هيكلية، من أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة،
وتشدد الأطر التنظيمية البيئية، وتباطؤ النشاط الصناعي، وهو ما انعكس على جدوى بعض الأصول كثيفة رأس المال، مقارنة بمناطق أخرى تتمتع بظروف تشغيلية أكثر مواءمة.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى خطوة (سابك) باعتبارها جزءًا من توجه أوسع لدى كبرى الشركات الصناعية لإعادة تقييم محافظها الاستثمارية، والانتقال من منطق التوسع الجغرافي إلى التركيز الانتقائي على الأصول الأكثر كفاءة وقدرة على توليد العائد.
تحسين كفاءة رأس المال
اقتصاديًا، تمثل هذه التخارجات أداة مباشرة لتحسين العائد على رأس المال المستخدم، من خلال تحرير موارد مالية يمكن إعادة توجيهها نحو مجالات ذات هوامش ربحية أعلى، سواء في المنتجات المتخصصة أو المواد المتقدمة أو مجالات الابتكار التقني.
كما يُتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز التدفقات النقدية الحرة، وتحسين هوامش الأرباح التشغيلية، ودعم المركز المالي للشركة، بما يتيح لها مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.
استمرار الوصول إلى الأسواق
ورغم التخارج من بعض الأصول التشغيلية، تحافظ (سابك) على وجودها في الأسواق الأوروبية والأمريكية عبر التصدير، بما يضمن استمرار العلاقات التجارية وخدمة العملاء، دون تحمّل الأعباء التنظيمية والتشغيلية المرتفعة المرتبطة بالإنتاج المحلي في تلك المناطق.
ويعكس هذا النهج فصلًا واضحًا بين الوصول إلى الأسواق وامتلاك الأصول داخلها، وهو نموذج بات أكثر شيوعًا في الصناعات كثيفة رأس المال في ظل بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين.
دلالة على تحول في فلسفة النمو
في المحصلة، تعكس هذه الخطوة تحولًا في فلسفة النمو لدى (سابك)، من التوسع المدفوع بالحجم إلى نمو أكثر انضباطًا قائم على تعظيم القيمة والكفاءة الرأسمالية.
كما تشير إلى إدراك متقدم لمتغيرات الصناعة، وقدرة على التكيّف مع التحولات الهيكلية التي يشهدها القطاع.
وبينما تخضع الصفقات لاستكمال الإجراءات التنظيمية، فإن دلالتها الاقتصادية تمتد إلى ما هو أبعد من قيمتها المالية،
لتؤكد أن الحفاظ على التنافسية في المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة الشركات على حسن إدارة مواردها، واتخاذ قرارات استثمارية متوازنة، في صناعة تشهد إعادة تشكيل عميقة لقواعدها التقليدية.

الكاتبة الصحفية
دعاء ابو سعدة
