رئيس هيئة النزاهة: مكافحة الفساد معركة إنسانية تتجاوز الحدود

الدوحة دعاء أبوسعدة

0 16

في لحظةٍ دولية تتشابك فيها الأزمات، وتتآكل فيها الثقة بين المواطن والمؤسسة، اختار المغرب أن يتحدث من منبر الشرعية الأممية بلغة هادئة، عميقة، وحاسمة؛ لغة تجعل من النزاهة جوهر الدولة، ومعنى التنمية، وشرط المستقبل.

وخلال أشغال الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، المنعقدة حالياً بالدوحة، 

ألقى معالي السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، كلمة مرجعية تجاوزت الإطار البروتوكولي، لتؤسس لرؤية فكرية وسياسية تعتبر مكافحة الفساد معركة قيم قبل أن تكون منظومة إجراءات.

واستهل معاليه كلمته بتهنئة رئيس المؤتمر على انتخابه، معرباً عن خالص شكر المملكة المغربية لدولة قطر الشقيقة على حفاوة الاستقبال وحسن التنظيم، ولمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة على الجهود المتواصلة لإنجاح هذا الاستحقاق الدولي، 

الذي ينعقد في سياق عالمي يتطلب وضوح الرؤية وشجاعة القرار.

وأكد السيد بنعليلو أن المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، جعلت من النزاهة خياراً استراتيجياً ومبدأً مؤسساً لمشروعها التنموي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مكافحة الفساد ليست سياسة ظرفية، بل قضية دولة ومجتمع، وأحد الشروط الجوهرية لترسيخ الثقة، وضمان فعالية السياسات العمومية، وتحقيق الولوج العادل إلى الحقوق والخدمات.

وأوضح أن الإصلاحات الدستورية التي عرفتها المملكة أرست دعائم منظومة وطنية متكاملة للوقاية من الفساد ومحاربته، أعقبتها إصلاحات ومبادرات هيكلية هدفت إلى تثبيت ثقافة المسؤولية والمساءلة، وصون المكتسبات الحقوقية والديمقراطية، وضمان استدامة التنمية.

وفي بعدها الدولي، أبرز رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة أن انخراط المغرب في تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد كان انخراطاً فعلياً وشفافاً، تُوّج باستكمال مختلف مراحل التقييم ونشر نتائجه، في تأكيد عملي على أن المصداقية الدولية تُبنى بالفعل المعلن والالتزام القابل للمساءلة.

كما شدد على أن المشاركة النشيطة للمملكة في الشبكات والآليات الدولية ذات الصلة تجسد إرادة إصلاحية واعية، وإيماناً ثابتاً بأن مواجهة الفساد لا يمكن أن تنجح دون تعاون دولي متضامن، يتقاسم المسؤولية ويؤسس لحوكمة عالمية أكثر عدلاً.

وأشار معاليه إلى أن هذا الانخراط الدولي شكّل مرجعاً لإعداد استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، صيغت بنهج تشاركي واسع، انخرطت فيه مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، مع استعداد المملكة لإطلاق استراتيجية ثانية تعكس نضجاً مؤسساتياً، وانتقالاً واعياً نحو جيل جديد من الإصلاحات المرتكزة على الأثر والنجاعة.

وعلى المستوى التشريعي والجنائي، أكد السيد بنعليلو أن المغرب واصل ملاءمة ترسانته القانونية مع المعايير الدولية، وعمل على تعزيز قدرات التحقيق الجنائي عبر آليات بحث خاصة، بما يدعم كشف جرائم الفساد ومتابعة مرتكبيها، في إطار احترام سيادة القانون وضمانات العدالة.

كما أبرز أن شفافية وجودة الخدمات العمومية أصبحتا ركيزتين أساسيتين في المقاربة الوطنية للنزاهة، من خلال تكريس الحق في الحصول على المعلومات، واعتماد ميثاق المرافق العمومية، وسن قانون تبسيط الإجراءات الإدارية، وتسريع التحول الرقمي داخل الإدارة، بما يعزز الثقة ويحد من مظاهر التعسف والريع.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن إصلاح منظومة الصفقات العمومية، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، أسهمت في إحداث تحول منهجي لمحاصرة مخاطر الفساد، وإرساء معايير متقدمة للنزاهة في القطاعات ذات الأولوية الاستراتيجية.

وفي قراءة استشرافية للمشهد العالمي، نبه رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة إلى أن الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وتعقّد سلاسل التوريد العابرة للحدود، تعيد رسم خرائط مخاطر الفساد، ما يستدعي تطوير المقاربة الدولية عبر ترسيخ الوقاية، وبناء مؤشرات قياس دقيقة وموضوعية، ومواجهة المخاطر الناشئة عن التحول التكنولوجي، حتى لا يتحول التقدم التقني إلى غطاء لأشكال جديدة من الفساد.

وفي ختام كلمته، أكد معالي السيد محمد بنعليلو أن المملكة المغربية، وهي تثمن الجهود الدولية الرامية إلى تجويد آلية تتبع تنفيذ الاتفاقية الأممية،

 تعتبر أن مكافحة الفساد ليست شأناً تقنياً معزولاً، بل معركة إنسانية من أجل الكرامة، والحق، والتنمية المستدامة، تتطلب انسجاماً وتنسيقاً فعّالاً بين المسارات الأممية في فيينا وجنيف ونيويورك.

هكذا، لم تكن كلمة المغرب في الدوحة مجرد خطاب رسمي، بل إعلاناً أخلاقياً هادئاً، يعيد للنزاهة معناها العميق

أن تكون الدولة أمينة على ثقة مواطنيها، وأن يُبنى المستقبل على أسس من العدالة والشفافية والمسؤولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.