حين يصبح عدم اليقين بنيةً دائمة: أوروبا في مواجهة اقتصاد ما بعد الطمأنينة  

فيينا – دعاء أبوسعدة

0 19

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرّك بوصفه آلة يمكن التنبؤ بإيقاعها، بل ككائنٍ حيّ، متوتر الأعصاب، يستجيب للصدمة أكثر مما يستجيب للتخطيط. 

هكذا يمكن قراءة تقرير الأوضاع والتوقعات الاقتصادية العالمية 2026 (WESP) الصادر اليوم عن الأمم المتحدة؛ ليس كتقرير تقني، بل كنصّ كاشف عن تحوّل عميق في بنية العالم الاقتصادي، حيث لم يعد “عدم اليقين” ظرفاً عابراً، بل حالة دائمة.

التقرير يضع أوروبا في قلب هذا التحوّل، لا باعتبارها بؤرة أزمة، بل بوصفها مرآة لاقتصاد عالمي أنهكته التناقضات كتراجع النمو، تصاعد الحمائية، وتآكل المساحات الآمنة التي كان يُبنى عليها الاستقرار لعقود.

نموّ بلا يقين… واستقرار بلا أفق

يتوقّع التقرير أن يتباطأ نمو الاتحاد الأوروبي إلى 1.3% في 2026، وهو رقم يبدو، للوهلة الأولى، مقبولاً في عالم مثقل بالأزمات. 

غير أن دلالته الأعمق تكمن في كونه نمواً يفتقر إلى الدينامية، 

نموّاً “دفاعياً” لا يحمل وعداً، بل يكتفي بتفادي الانكماش.

فالاقتصاد الأوروبي لم يعد يصطدم بأزمة واحدة واضحة المعالم، بل بمجموعة متراكبة من الضغوط

رسوم جمركية أعلى فرضتها تحوّلات السياسة التجارية العالمية، توترات جيوسياسية لم تعد استثناءً، وتحديات هيكلية قديمة لم تُحلّ، من شيخوخة سكانية إلى فجوات تكنولوجية واتساع فجوة التنافسية.

وفي هذا السياق، تبدو التجارة الدولية وقد فقدت براءتها القديمة. فالاتفاقات التجارية الحديثة، وإن خفّفت من ضبابية القرارات، كرّست واقعاً أكثر كلفة، حيث ارتفعت الرسوم الفعلية على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة إلى أكثر من 10%، في تحوّل يعكس نهاية وهم لأسواق المفتوحة تلقائياً 

الداخل الأوروبي… توازن هش

على الجانب الآخر، يشير التقرير إلى أن الطلب الداخلي في أوروبا ما زال قادراً على التنفّس. 

تراجع التضخم إلى مستويات أقرب للاستقرار مع توقّعات بانخفاضه إلى 1.9% في 2026 

أعاد للبنك المركزي الأوروبي هامش حركة يسمح بالإبقاء على سياسة نقدية تيسيرية.

غير أن هذا التيسير، في عمقه، ليس علامة قوة بقدر ما هو محاولة لشراء الوقت. 

فالسياسة النقدية، مهما بلغت مرونتها، لا تستطيع وحدها معالجة اختناقات هيكلية أو تعويض غياب الرؤية الاستثمارية طويلة الأجل. أما أسواق العمل، ورغم استقرارها النسبي، فهي تعكس بدورها مفارقة العصر 

وظائف موجودة، لكن الأمان الاقتصادي يتآكل، والأجور تفقد قدرتها على ملاحقة كلفة الحياة.

أوروبا المتعددة… اقتصاديات غير متساوية

لا يرسم التقرير صورة أوروبية موحّدة. فالنموّ، كما السياسة، يتوزّع بشكل غير متكافئ. ألمانيا وفرنسا تسيران بخطى بطيئة، إيطاليا تكافح للخروج من دائرة النمو المنخفض، بينما تبرز دول جنوب وشرق أوروبا 

كإسبانيا والبرتغال وبولندا كنقاط ضوء نسبي، مستفيدة من الاستهلاك المحلي والاستثمار.

أما المملكة المتحدة، فتقف خارج الاتحاد، لكنها ليست خارج المعادلة. إذ يُتوقّع أن يتباطأ نموها إلى 1.1% في 2026، في ظل سياسة مالية أكثر تشدداً وواقع تجاري لم يستقر بعد منذ “بريكست”.

كلفة المعيشة: الاقتصاد حين يمسّ الحياة اليومية

ربما أكثر ما يمنح التقرير ثقله الأخلاقي هو تركيزه على كلفة المعيشة. فالتضخم، وإن هدأ على الورق، ما زال حادّاً في حياة الناس. الغذاء، الطاقة، السكن ثلاثية الوجود اليومي 

تواصل الارتفاع، ضاغطةً على الطبقات الوسطى والدنيا، وموسّعةً هوّة اللامساواة.

هنا، يتحوّل الاقتصاد من علم الأرقام إلى سؤال العدالة. فحين يفشل الاستقرار الكلي في الوصول إلى تفاصيل الحياة اليومية، يصبح النمو بلا معنى اجتماعي، وتفقد السياسات شرعيتها الأخلاقية.

نداء أممي في زمن الانكفاء

التقرير لا يكتفي بالتشخيص، بل يطلق نداءً واضحاً: العالم لا يمكنه مواجهة هذه المرحلة بسياسات منغلقة أو حلول وطنية ضيقة. 

فالتحديات من التجارة إلى المناخ، ومن الديون إلى سلاسل الإمداد

عابرة للحدود بطبيعتها.

وفي هذا الإطار، يبرز التزام إشبيلية، الصادر عن المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، كمحاولة لإعادة ترميم النظام الاقتصادي العالمي، عبر إصلاح الهيكل المالي الدولي، وتوسيع التمويل الميسر والمناخي، ووضع آليات أكثر عدالة لمعالجة الديون.

ما بعد التقرير

لا يقول تقرير الأمم المتحدة إن أوروبا على حافة الانهيار، لكنه يقول شيئاً أكثر عمقاً: إن مرحلة “اليقين الاقتصادي” قد انتهت. نحن أمام عالم يُدار في منطقة رمادية، حيث يصبح الاستقرار هدفاً بحد ذاته، لا نقطة انطلاق.

وفي هذا العالم، لن يكون السؤال كم سننمو؟

بل: أي نوع من النمو نريد، ولصالح من، وعلى حساب ماذا؟

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يضعه تقرير 2026 أمام أوروبا… وأمام العالم بأسره

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.