في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة الوجودية حول معنى الوطن، وتتراجع فيه اليقينات أمام ضجيج العالم، يصبح الوعي فعلًا إنقاذيًا، ويغدو السلام ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. من هنا، لم تأتِ ندوة «الوعي والسلام وبناء الأوطان» كحدثٍ ثقافي عابر، بل كموقف فكري واعٍ يستدعي العقل والضمير، ويعيد الاعتبار لدور الثقافة بوصفها ركيزة للبناء وحارسًا للهوية.

في هذا الإطار، نظم المركز الثقافي المصري بفيينا، برئاسة سعادة المستشار الثقافي الدكتور خالد أبو شنب، مدير مكتب مصر للعلاقات الثقافية والتعليمية، ندوة فكرية كبرى بعنوان «الوعي والسلام وبناء الأوطان»، وذلك بالنادي المصري في فيينا، برئاسة الأستاذ خالد حسين، وتحت رعاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي برئاسة الأستاذ الدكتور أيمن عاشور، وبمشاركة وإشراف الأستاذ الدكتور أيمن فريد مساعد وزير التعليم العالي ورئيس قطاع الشؤون الثقافية والبعثات، وبإشراف سفارة جمهورية مصر العربية في فيينا برئاسة السفير محمد نصر، سفير مصر والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
وأدار الندوة الدكتور خالد أبو شنب، بحضور رسمي وثقافي رفيع المستوى، ضم الوزير المفوض خالد شعلان نائب سفير جمهورية مصر العربية، والمستشار محمد البحيري قنصل مصر بفيينا، والأستاذ نادر رفعت سكرتير أول بالسفارة، والمهندس مضر خوجة أمين عام الغرفة التجارية العربية النمساوية، والأستاذ عبدالله الشريف، مجلس إدارة النادي ،إلى جانب حضور واسع ومكثف من أبناء الجاليات المصرية والعربية، في مشهد عكس حيوية الحضور المصري بالخارج، وعمق ارتباطه بالوطن ثقافةً ووجدانًا.
وشارك في إلقاء المحاضرات وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية، الذي ضم الإعلامي الأستاذ مجدي طنطاوي المدير العام للمؤسسة ومدير تحرير صحيفة الجمهورية، والأستاذ الدكتور محمد يحيى غيدة أستاذ جامعة المنصورة وعضو الهيئة الاستشارية بالمؤسسة، والدكتور القس جرجس عوض راعي الكنيسة المعمدانية بالقاهرة وأمين عام المؤسسة، والأستاذ محمد فتحي الشريف رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، حيث ناقش المتحدثون قضايا الوعي الوطني، والسلام المجتمعي، وبناء الدولة الحديثة، ودور الثقافة والإعلام في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور خالد أبو شنب أن تنظيم هذه الندوة ينطلق من إيمان الدولة المصرية بأن الوعي هو الحارس الأول للأوطان، وأن أبناء مصر في الخارج يمثلون امتدادًا حيًا للدولة، يحملون صورتها وقيمها ورسالتها الحضارية، مشددًا على أن الحوار الثقافي الواعي هو السبيل الأصدق لترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء في زمن تتكاثر فيه محاولات التشويش والتزييف.
من جانبه، أوضح الوزير المفوض خالد شعلان أن الدولة المصرية تخوض معركة وعي حقيقية، إدراكًا منها بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأعمق والأبقى، وأن مثل هذه اللقاءات تعكس رؤية مصر في دعم قوتها الناعمة، وترسيخ خطاب السلام، وتعزيز صورتها الحضارية في الخارج عبر الفكر والحوار والتواصل الإنساني.
وأكد المستشار محمد البحيري أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالجغرافيا، بل بالفعل والوعي والمسؤولية، مشيرًا إلى أن الجاليات المصرية في الخارج تمثل خط الدفاع الثقافي الأول عن الدولة، وأن تعميق وعيها الوطني يسهم في حماية صورة مصر ومواجهة محاولات التشويه وسوء الفهم.
وفي مداخلته، شدد الإعلامي مجدي طنطاوي على أن السلام لا يتحقق بغياب الصراع فقط، بل بحضور العدالة ووعي العقول، مؤكدًا أن الإعلام الواعي شريك أصيل في صناعة الوعي الجمعي، ومسؤول عن مواجهة التطرف بالفكر لا بالانفعال، وبالعقل لا بالشعارات.
بدوره، أوضح الأستاذ الدكتور محمد يحيى غيدة أن الولاء الحقيقي للدولة يبدأ من الوعي بتاريخها وفهم تحدياتها والإيمان بمشروعها الوطني، مؤكدًا أن مصر كانت وستظل دولة فكرة، وأن الحفاظ على الفكرة هو الضمانة الحقيقية لبقاء الدولة وصون مستقبلها.
وأشار الدكتور القس جرجس عوض إلى أن الأوطان لا تُبنى بدين واحد أو فكر واحد، بل تُبنى بالإنسان، مؤكدًا أن التعايش ليس تنازلًا عن الهوية، بل ارتقاء بها، حين ندرك أن التنوع مصدر قوة، وأن السلام فعل شجاعة أخلاقية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.
وفي ختام المداخلات، أكد الأستاذ محمد فتحي الشريف أن العلاقات المصرية-الأوروبية تحتاج إلى قراءة واعية تتجاوز السطح السياسي إلى العمق الحضاري، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك من التاريخ والعقل الاستراتيجي ما يؤهلها للقيام بدور فاعل في صناعة الاستقرار الإقليمي والدولي.
ختامًا، لم تكن الندوة مجرد فعالية ثقافية، بل مساحة وعي، وحوار ضمير، واستعادة للأسئلة الكبرى حول الهوية والانتماء ودور المعرفة في حماية الأوطان. فأسئلة الوعي لا تُغلق، لأن الوعي رحلة لا تنتهي، ولأن بناء الأوطان يبدأ دائمًا من العقل… وينتهي بالإنسان.

