حين يتحوّل التقشّف من سياسة إلى امتحان أخلاقي

فيينا دعاء أبوسعدة

0 120

لم يكن الإنسان مُنهكًا إلى هذا الحدّ من قبل.

ليس لأنه يعمل أكثر، بل لأنه يُطالَب اليوم بأن يتحمّل وحده نتائج نظامٍ لم يشارك في صياغته. 

مع بداية عام 2026، يدخل العالم مرحلة جديدة من التضييق الاقتصادي، لكنّها ليست مجرد مرحلة أرقام قاسية، بل مرحلة إنهاك إنساني شامل، حيث يُعاد تعريف الكرامة بصمت، وتُقاس الديمقراطية بقدرتها على الصمود حين تختفي الوفرة.

في أوروبا، التي طالما قُدِّمت بوصفها نموذجًا للتوازن بين الحرية والعدالة الاجتماعية، 

بدأ العام بإجراءات تقشّف صارمة. النمسا، من اليوم الأول لهذا العام، أعلنت الدخول في سياسة التوفير، ليس كخيارٍ نظري، بل كواقعٍ يومي يمسّ تفاصيل الحياة. 

غير أنّ السؤال الحقيقي لا يتعلّق بالتقشّف ذاته، بل بمن يُطالَب بالتقشّف، ومن يبقى بمنأى عنه.

الإنسان الأوروبي – والمقيم في أوروبا على وجه الخصوص لم يعد يواجه فقط ارتفاع التكاليف، بل يواجه تآكل الشعور بالكرامة. 

ذاك الشعور الذي كان يُقدَّم كقيمة غير قابلة للتفاوض، أصبح فجأة بندًا قابلًا للمراجعة. 

بعد عقود من الحديث عن دولة القانون، والمساواة، والفرص المتكافئة، يجد الفرد نفسه اليوم أمام واقعٍ مختلف

تضييق بلا حماية كافية، وخطاب ديمقراطي لا يوازيه سلوك اقتصادي عادل.

الأكثر قسوة في هذه المرحلة أنّ التقشّف لا يُوزَّع بالتساوي. 

الفئات الاجتماعية الضعيفة، والأجانب المقيمون، والعمّال، وذوو الدخل المحدود، هم أول من يشعر بثقل القرارات، وآخر من يُستشار في صياغتها. 

تُخفَّض الخدمات التي يعتمدون عليها، تُشدّد القوانين التي تطالهم، ويُطلب منهم “التفهّم” و”الصبر” و”الاندماج”، بينما تبقى الرواتب العليا في مواقع القرار بعيدة عن المقصّ المالي.

هنا، يتحوّل التقشّف من ضرورة اقتصادية إلى مشكلة أخلاقية. 

فحين لا تبدأ الدولة بنفسها، وحين لا تُقدِّم النخب السياسية والإدارية مثالًا في تقاسم العبء، يصبح الحديث عن التضامن مجرّد خطاب. لا يمكن إقناع الإنسان بالتضحية بينما يرى من يطالبونه بها محصّنين برواتب عالية وامتيازات ثابتة لا تمسّها الأزمة.

الأجانب المقيمون في الدول الأوروبية، الذين طالما قُدِّموا كجزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي، يجدون أنفسهم اليوم في موقع هشّ. 

فهم أول من يتأثر بالتقليصات، وأكثر من تُسلَّط عليهم شروط إضافية، وأقل من يملك هامش الاعتراض. في زمن التقشّف، تتراجع لغة الحقوق، وتتصاعد لغة “الاستحقاق”، وكأن الكرامة أصبحت امتيازًا يُمنح لا حقًا يُكفل.

هذا الإرهاق الإنساني لا يظهر في التقارير الرسمية، لكنه حاضر في الحياة اليومية

في القلق المزمن، في الخوف من الغد، في الإحساس بأن الديمقراطية تصبح أضعف حين تختبرها الأزمات. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس في أوقات الرخاء، بل في كيفية حماية الأضعف حين تضيق الموارد.

2026، بهذا المعنى، ليس عامًا اقتصاديًا فقط، بل عام اختبار للقيم الأوروبية ذاتها. 

هل ستبقى الكرامة مبدأ غير قابل للمساومة؟ 

أم ستتحوّل إلى شعار جميل يُعلَّق على جدران المؤسسات بينما تُفرَّغ من مضمونها في السياسات اليومية؟

التقشّف قد يكون ضرورة، نعم. لكن الضرورة لا تبرّر الظلم، ولا تُعفي من المسؤولية الأخلاقية. 

حين يُطلب من الضعفاء وحدهم مواجهة الصعوبات، وحين يُترك الإنسان منهكًا بلا أفق، يصبح الخطر أكبر من أزمة مالية 

خطر فقدان الثقة في فكرة العدالة ذاتها.

ربما لا يكتب التاريخ عن تفاصيل هذه القرارات، لكنه سيسجّل أثرها في الوعي الجمعي. 

سيسجّل كيف شعر الإنسان في 2026 بأن الكرامة لم تعد مضمونة، وأن الديمقراطية، إن لم تحمِ الأضعف، تفقد معناها تدريجيًا. وفي عالمٍ يطلب من الناس أن يتحمّلوا الكثير، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة

كيف يمكن لنظامٍ أن ينجو اقتصاديًا، إن كان ثمن نجاته إنهاك الإنسان نفسه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.