بحوث الوكالة الدولية للطاقة الذرية: الذكاء الاصطناعي يرسم ملامح مستقبل أكثر عدلاً لعلاج السرطان  

فيينا – دعاء أبوسعدة

0 7

في لحظة فارقة يلتقي فيها العلم بالتكنولوجيا، والإنسانية بالمعرفة، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن نتائج مشروع بحثي دولي رائد يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل شريكاً فاعلاً في إعادة صياغة مستقبل علاج السرطان، ولا سيما في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

المشروع البحثي المنسق، المعروف باسم دراسة ELAISA، والذي شاركت فيه 23 دولة، ألقى ضوءاً علمياً موثقاً على أمان وفائدة استخدام الذكاء الاصطناعي في واحدة من أكثر مراحل العلاج الإشعاعي حساسية وتعقيداً

رسم حدود الأورام والأعضاء السليمة المعرضة للخطر. 

وهي مرحلة طالما استنزفت وقت الأطباء وجهدهم، وكانت عرضة لاختلاف التقدير البشري، بما يحمله ذلك من تبعات على دقة العلاج وجودته.

الذكاء الاصطناعي… حين يقلّ التباين وتزداد العدالة العلاجية

يمثل رسم حدود الأورام حجر الأساس في التخطيط الآمن والفعال للعلاج الإشعاعي. 

غير أن هذه العملية، حين تعتمد كلياً على التقدير اليدوي، قد تختلف نتائجها من طبيب إلى آخر، فيما يُعرف بـ”التباين بين المراقبين“. 

وهنا تحديداً، يتدخل الذكاء الاصطناعي لا ليحل محل الطبيب، بل ليمنحه بوصلة أكثر دقة واتساقاً.

وقد أظهرت نتائج الدراسة أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي أدت إلى تقليص كبير في هذا التباين، إلى جانب خفض ملحوظ في الوقت اللازم لرسم الحدود، حتى في الحالات التي لم يسبق فيها تقديم تدريب إرشادي متخصص. أما عند الجمع بين التدريب المنهجي واستخدام الذكاء الاصطناعي، فقد بلغ الأثر ذروته، سواء من حيث الجودة أو كفاءة الوقت.

أزمة عالمية في الموارد… وحل واعد

تأتي هذه النتائج في وقت يواجه فيه العالم نقصاً متزايداً في أخصائيي طب الأورام الإشعاعي. وتشير تقديرات لجنة “لانسيت لطب الأورام” المعنية بالعلاج الإشعاعي والتشخيص العلاجي، والتي تقودها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى أن العالم سيحتاج إلى أكثر من 84 ألف مختص إضافي بحلول عام 2050، فقط لمواكبة الزيادة المتوقعة في عدد حالات السرطان الجديدة، والتي يُرجح أن تبلغ 35.2 مليون حالة سنوياً.

وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة مي عبد الوهاب، مديرة شعبة الصحة البشرية في الوكالة والرئيسة المشاركة للجنة، أن العبء المتزايد لحالات السرطان وتعقيد بروتوكولات العلاج سيجبر الأطباء على استنزاف وقت أطول في المهام التقنية الدقيقة، وعلى رأسها رسم الحدود، ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها لتعزيز الكفاءة دون المساس بسلامة المرضى.

دراسة عابرة للحدود… وشراكة إنسانية

شارك في الدراسة نحو 100 أخصائي في طب الأورام الإشعاعي من 22 مركزاً علاجياً في دول تمتد من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية، من بينها الأردن، وتونس، والسودان، وأوغندا، وباكستان، ونيبال، والهند، وكينيا، وكازاخستان، والأرجنتين. 

بينما وفر مستشفى جامعة آرهوس في الدنمارك 16 حالة سريرية لسرطانات الرأس والرقبة، وهي من أكثر الأورام تعقيداً من حيث التشريح والدقة المطلوبة.

وقد قُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، إحداهما استخدمت الذكاء الاصطناعي منذ البداية، والأخرى اعتمدت الأساليب اليدوية التقليدية، قبل أن ينتقل الجميع لاحقاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، ضمن تصميم بحثي صارم سمح بتقييم الأثر الحقيقي للتقنية على أرض الواقع، وليس فقط في بيئات تجريبية معزولة.

العلم حين يخدم الإنسان

وفي تعليق علمي لافت، قال البروفيسور يسبر غراو إريكسن، أستاذ الطب الإكلينيكي في جامعة آرهوس وأحد كبار الباحثين في الدراسة، إن الجمع بين التعليم المنهجي ورسم الحدود بمساعدة الذكاء الاصطناعي يمثل “الاستراتيجية الأكثر فعالية لتقليل كالوقت وتحسين الجودة”، 

مؤكداً أن التطبيق الآمن والمدروس لهذه الأدوات يمكن أن يحرر موارد ثمينة، ويمنح الأطباء فرصة علاج عدد أكبر من المرضى، خصوصاً في المناطق الأكثر احتياجاً.

نحو مستقبل أكثر إنصافاً في علاج السرطان

نُشرت نتائج الدراسة في المجلة العالمية لطب الأورام، وعُرضت في الاجتماعات السنوية للجمعية الأوروبية للعلاج الإشعاعي ودراسة الأورام، لتضيف دليلاً جديداً على أن الذكاء الاصطناعي، حين يُستخدم بعقلانية وأخلاقيات علمية، يمكن أن يكون جسراً بين التقدم التكنولوجي والعدالة الصحية.

إنها ليست مجرد قصة عن خوارزميات وأجهزة، بل عن إرادة علمية تسعى إلى تقليص الفجوة بين الشمال والجنوب، وبين الإمكانات المحدودة وحق الإنسان في علاج آمن وفعّال. 

وفي هذا المشهد، يبرز الذكاء الاصطناعي لا كبديل عن الطبيب، بل كامتداد ليده وعقله، في معركة لا تحتمل الخطأ معركة الحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.