باكش 2”… حجر أساس يعيد رسم خريطة الطاقة في هنغاريا وأوروبا  

بودابست دعاء أبوسعدة

0 13

في لحظة تختلط فيها رمزية الزمن بثقل الجغرافيا، وتتحول الخرسانة من مادة صامتة إلى شاهد على إرادة الدول، انطلقت اليوم الخميس في هنغاريا أعمال بناء محطة “باكش 2” للطاقة النووية، إيذاناً ببدء فصل جديد في تاريخ الطاقة الأوروبية، حيث جرى صب “الخرسانة الأولى” في موقع المشروع، في حدث يُعدّ انتقالاً رسمياً من التخطيط إلى الفعل، ومن الرؤية إلى التشييد.

وشهدت المراسم حضوراً دولياً رفيع المستوى، ضمّ رئيس المؤسسة الروسية للطاقة الذرية “روساتوم” أليكسي ليخاتشوف، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، ووزير الخارجية والتجارة الهنغاري بيتر سيارتو، والوزير السابق والمسؤول عن مشروع التوسعة يانوس شولي، إلى جانب السفير الدكتور أحمد فهمي، سفير جمهورية مصر العربية لدى هنغاريا، في دلالة لافتة على اتساع دوائر الاهتمام الإقليمي والدولي بالمشروع.

ويُعد صب الخرسانة الأولى العلامة الفاصلة بين الفكرة وتجسيدها، والبداية الفعلية لإنشاء وحدة طاقة جديدة، في مشروع يُصنَّف بوصفه الأكبر من نوعه على الصعيد النووي الروسي داخل الأراضي الأوروبية. ويشمل “باكش 2” بناء الوحدتين الخامسة والسادسة باستخدام مفاعلات متطورة من طراز VVER-1200، ما سيرفع القدرة الإجمالية لمجمع “باكش” النووي من 2000 ميغاواط إلى 4400 ميغاواط، 

ويعزز الاعتماد الهنغاري على الطاقة النووية بوصفها ركيزة أساسية في مزيج الطاقة الوطني.

وفي كلمة ذات دلالات تتجاوز اللحظة، أكد أليكسي ليخاتشوف أن هذا اليوم لا يمثل مجرد إنجاز تقني، بل يشكّل محطة تاريخية في مسار الطاقة النووية، 

مشيراً إلى أن المشروع يجسّد تلاقي التكنولوجيا المتقدمة مع متطلبات الاستدامة والأمن الطاقي.

من جانبه، سبق لرئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان أن شدد على الأهمية الاستراتيجية للمشروع، معتبراً أن “باكش 2” يمثل خطوة حاسمة نحو استقلال هنغاريا في مجال الطاقة، موضحاً أن المحطتين النوويتين ستوفران أكثر من 65% من احتياجات البلاد من الكهرباء، فيما تُستكمل المنظومة بالاعتماد على الطاقة الشمسية.

وتأتي مشاركة السفير المصري في هذا الحدث في سياق التعاون المتنامي بين مصر وهنغاريا في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتعكس حرص البلدين على تبادل الخبرات وتعميق الشراكات في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في رسم ملامح المستقبل. كما تؤكد هذه المشاركة اهتمام مصر بمتابعة التجارب الدولية الرائدة، في ظل مضيها قدماً في تنفيذ برامجها الوطنية لتأمين طاقة نظيفة ومستدامة تعتمد على أحدث ما بلغته التكنولوجيا النووية.

هكذا، لا يبدو “باكش 2” مجرد مشروع هندسي، بل بياناً سياسياً وحضارياً، يقول إن الطاقة لم تعد شأناً تقنياً فحسب، بل خياراً وجودياً، تُبنى عليه سيادة الدول، وتُرسم من خلاله ملامح الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.