اليونيدو واليابان… حين تتلاقى الفلسفة الصناعية مع أمل الإعمار الأخضر في أوكرانيا  

فيينا – دعاء أبوسعدة

0 0

في زمنٍ تتكسر فيه اليقينيات تحت وطأة الحروب، وتُختبر فيه قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى معنى، تبرز الصناعة لا بوصفها آلة صمّاء، بل كفعلٍ فلسفي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمستقبل. من هذا الأفق، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، من مقرها في فيينا، توقيع اتفاقيات منح مع 47 شركة يابانية لاختبار تقنياتها المبتكرة ونماذج أعمالها الجديدة في أوكرانيا، ضمن مبادرتها الرائدة مشروع الإنعاش الصناعي الأخضر لأوكرانيا .

هذا المشروع لا يكتفي بإعادة تشغيل المصانع، بل يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم التعافي ذاته: تعافٍ يقوم على المعرفة، والاستدامة، ونقل التكنولوجيا، وبناء شراكات تتجاوز الجغرافيا والسياسة نحو إنسانية مشتركة. ومن المتوقع أن يكتسب أكثر من 30 ألف شخص في أوكرانيا مهارات جديدة، فيما سيتم اختبار أو إدخال أو اعتماد 47 تقنية متقدمة في قطاعات صناعية متعددة، لتصبح التكنولوجيا لغة أمل في بلد أنهكته الحرب.

وفي هذا السياق، أكدت يوكو ياسوناغا، نائبة المدير العام والمديرة التنفيذية لمديرية الخدمات والعمليات المؤسسية في اليونيدو، أن المشروع يمثل نموذجاً فريداً للانتعاش الصناعي، قائلة

يساهم هذا المشروع في خلق فرص عمل، وتعزيز القدرة التنافسية الصناعية، وإنشاء صناعات وأنظمة بيئية جديدة للابتكار. ويسرّنا اختيار 47 تقنية يابانية قادرة على إحداث فرق حقيقي.

ويأتي التمويل بدعم مباشر من حكومة اليابان، في تجسيد لدبلوماسية تنموية ترى في التكنولوجيا جسراً بين الشعوب، لا أداة هيمنة. فالشركات الأوكرانية ستتمكن من الوصول إلى حلول متقدمة، وتحديث إنتاجها، وبناء اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الطاقة والموارد.

من جانبه، شدد فيتاليو كيندراتيف، نائب وزير الاقتصاد والبيئة والزراعة في أوكرانيا، على أن بلاده بحاجة إلى انتعاش صناعي حديث وشامل، معتبراً المشروع نموذجاً عالمياً يُحتذى به في كيفية جذب التقنيات المتقدمة وبناء مشاريع مشتركة قادرة على تحويل الدمار إلى فرصة.

وتغطي مجالات المشروع طيفاً واسعاً من القطاعات الحيوية، من الأعمال الزراعية وسلسلة القيمة الغذائية والبنية التحتية للمياه، إلى الاقتصاد الدائري، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطاقة، والهيدروجين والأمونيا، إضافة إلى تعزيز إنتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة، والطب عن بُعد، وإزالة الألغام، وإعادة بناء البنية التحتية. وهو ما يعكس رؤية شمولية ترى في التنمية منظومة متكاملة لا حلولاً مجتزأة.

أما تاكيهيكو ماتسو، نائب وزير الشؤون الدولية في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية، وأحد مؤسسي المشروع، فأشار إلى أن الشركات اليابانية، بما فيها الصغيرة والمتوسطة والناشئة، تمتلك خبرة فريدة في التعافي بعد الكوارث، ويمكنها الإسهام بفاعلية في إعادة بناء الاقتصاد الأوكراني ودعم نموه المستقبلي.

وفي بُعدٍ إنساني لا يقل عمقاً، قال ماساشي ناكاغومي، سفير اليابان لدى أوكرانيا

“أظهرت الحرب أوكرانيا كأمة صامدة ومبتكرة في آن واحد. ونتوقع أن تخلق التقنيات اليابانية المتطورة، إلى جانب الابتكار الأوكراني، تآزراً ينعش الصناعة ويدعم التعافي الاجتماعي والاقتصادي”.

وبعد الانتهاء من دراسات الجدوى، ستنتقل الشركات التي تستوفي معايير “الموافقة” إلى مرحلة العروض التجريبية للتقنيات، لتتحول الأفكار إلى تطبيقات، والنوايا إلى واقع ملموس.

هكذا، لا يبدو المشروع مجرد اتفاقيات منح، بل بياناً فلسفياً يقول إن إعادة الإعمار ليست عودة إلى ما كان، بل ولادة جديدة لما يجب أن يكون. وفي قلب هذا البيان، تقف فيينا شاهدة على تحالفٍ بين اليابان وأوكرانيا، تقوده اليونيدو، ليؤكد أن الصناعة، حين تُدار بوعي إنساني، قادرة على أن تكون فعلاً أخلاقياً بقدر ما هي إنجاز تقني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.