في سياق دولي بالغ التعقيد، تتسارع فيه تحولات الطاقة وتتشابك فيه اعتبارات الأمن الاقتصادي مع متطلبات الاستدامة، استضافمقر الأمم المتحدة بفيينا أعمال المؤتمر الدولي الأول لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDO حول الهيدروجين في الصناعة، بمشاركة رفيعة المستوى لنخبة من صناع القرار وقادة الصناعة والخبراء الدوليين.
ويُعد المؤتمر سابقة أممية، كونه أول منصة دولية مخصصة بالكامل لبحث دور الهيدروجين النظيف في إعادة تشكيل مستقبل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، في ظل ضغوط متزايدة لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات.
وفي مداخلة رفيعة المستوى، أكد السفير وائل أبوالمجد، مساعد وزير الخارجية لشؤون المناخ والبيئة والتنمية المستدامة، أن الهيدروجين بات يمثل ركيزة استراتيجية في معادلة التحول الطاقي العالمي، ليس فقط كمصدر بديل للطاقة، بل كأداة لإعادة صياغة أنماط التجارة وتعزيز أمن الإمدادات وتقليل التعرض لتقلبات الوقود الأحفوري.
وأوضح أن الدول النامية تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تموضعها داخل سلاسل القيمة العالمية، مستفيدة من وفرة مواردها المتجددة، غير أن هذه الفرصة تظل مرهونة بتوافر بيئة تمكينية متكاملة، محذرا من مخاطر اتساع فجوة المشاركة في اقتصاد الهيدروجين.
وأشار إلى أن التحديات لا تزال قائمة، وفي مقدمتها ارتفاع تكلفة التمويل، وضعف البنية التحتية، وتباين الأطر التنظيمية، فضلا عن محدودية التكامل بين استراتيجيات الهيدروجين والسياسات الصناعية، ما يستدعي تبني مقاربات أكثر شمولا ومرونة.
وطرح السفير المصري ثلاث أولويات رئيسية لتسريع وتيرة التحول، تشمل تعزيز قدرات إعداد المشروعات لضمان وصولها إلى الجدارة التمويلية، وتوسيع أدوات تقليل المخاطر عبر التمويل المختلط والضمانات، إلى جانب تحفيز الطلب من خلال آليات شراء طويلة الأجل وتطوير أسواق المنتجات الخضراء، لا سيما في قطاع الأسمدة.
وعلى المستوى الوطني، استعرض أبو المجد ملامح الاستراتيجية المصرية للهيدروجين منخفض الكربون، التي تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي لإنتاج وتجارة الهيدروجين بحلول عام 2040، مدعومة بإطار مؤسسي وتشريعي متكامل، ومشروعات متنامية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تبرز كمحور واعد لإنتاج الوقود الأخضر وتصديره.
غير أنه شدد على أن تنافسية القطاع في الدول النامية تتأثر بعوامل خارجية معقدة، من بينها غموض الطلب العالمي، وتصاعد سياسات الدعم في الاقتصادات الكبرى، وارتفاع تكلفة رأس المال، إلى جانب تباين المعايير الدولية وضعف جاهزية البنية التحتية في الأسواق المستوردة، محذرًا من أن هذه العوامل قد تكرس بيئة تنافسية غير متكافئة.
ودعا إلى تعزيز التعاون الدولي لضمان استقرار الطلب، وتوحيد أطر الشهادات والمعايير، وتوفير دعم مالي موجه لسد فجوات التنافسية، بما يضمن اندماجا أكثر عدالة للدول النامية في الاقتصاد الأخضر العالمي.
وشهد المؤتمر كلمات رفيعة المستوى، من بينها كلمة Gerd Müller المدير العام لليونيدو، وWolfgang Hattmannsdorfer، وزير الاقتصاد والطاقة والسياحة النمساوي، إلى جانب عدد من المسؤولين الدوليين، في إطار برنامج يجمع بين الرؤى الاستراتيجية والحلول التطبيقية عبر مختلف حلقات سلسلة قيمة الهيدروجين.
ويأتي تنظيم المؤتمر ضمن البرنامج العالمي للهيدروجين في الصناعة، بدعم من Global Environment Facility، وبشراكات واسعة مع مؤسسات دولية وتحالفات صناعية، في خطوة تعكس تنامي الزخم الدولي نحو تسريع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
وفي ختام كلمته، أكد السفير وائل أبو المجد أن مستقبل الصناعة لن يحسم بالتكنولوجيا وحدها، بل بكيفية توظيفها في بناء شراكات عادلة ومستدامة، تضمن أن يكون التحول الأخضر مسارا شاملا يدعم التنمية ويعزز الاستقرار الاقتصادي على المستوى العالمي

