المركز الثقافي المصري في فيينا يحتفي بالأم… حيث يبدأ المعنى الأول للحياة  

فيينا دعاء أبوسعدة

0 0

في أمسيةٍ بدت أقرب إلى تأمّلٍ جماعي في جوهر الوجود، احتفى المركز الثقافي المصري في فيينا بعيد الأم، برئاسة الدكتور خالد أبو شنب، المستشار الثقافي ومدير مكتب مصر للعلاقات الثقافية والتعليمية، وبالتعاون مع مؤسسة آيات خليفة للمرأة والأسرة المصرية والعربية في النمسا برئاسة الأستاذة أسماء علي. 

لم يكن الحدث مجرد احتفال موسمي، بل لحظة إنسانية كثيفة، أعادت تعريف الأم لا كدور اجتماعي فحسب، بل كقيمة كونية تُعيد تشكيل معنى الإنسان في ذاته.

في فضاء مشبع بالدفء، تلاقت الوجوه على معنى واحد الامتنان. 

وعلى أنغام الكمان وإيقاعات الرق التي أبدع فيها الفنان محسن شلتوت، انفتحت الذاكرة على مصراعيها، وعاد الحضور في صمتٍ داخلي عميق إلى تلك البدايات الأولى، حيث كانت الأم هي العالم قبل أن يكون للعالم اسم.

وفي مشهدٍ يختزل فلسفة العطاء، كرمت مؤسسة ايات خليفة ثلاثين سيدة من الرائدات، ممن نسجن خيوط التأثير بهدوء نادر، فصنعن من تفاصيل الحياة اليومية مساراتٍ للنجاح، وربين أجيالًا استطاعت أن تعتلي مواقع متقدمة دون أن تنفصل عن جذورها. 

كما شمل التكريم عشر سيدات قدمن نموذجا نقيا للعمل التطوعي، حيث يتحول العطاء إلى فعل حر، لا تحكمه مصلحة، بل يقوده إيمانٌ عميق بجدوى الخير.

وقد تولى تسليم شهادات التكريم كل من الدكتور خالد أبو شنب والأستاذة أسماء علي، في لحظة لم تكن احتفاء بقدر ما كانت اعترافًا متأخرًا بجمال ظل يعمل في الظل. 

كانت الدموع الصامتة، ونبرات الامتنان المرتجفة، أكثر صدقا من أي خطاب، وكأن الحفل بأكمله كان محاولةً إنسانية لاستدراك ما لا يقال عادة.

وفي كلمته، أضاء الدكتور خالد أبو شنب على البعد العميق لهذا التكريم، مؤكدًا أن الأم هي “النقطة التي يبدأ منها كل مشروع إنساني حقيقي، وأن المجتمعات لا تُقاس بما تملكه، بل بما تزرعه في وجدان أبنائها منذ الطفولة.

أما الأستاذة أسماء علي، فقد أعادت تعريف الأمومة بوصفها فعل احتواء مستمر، يمنح الحياة معناها، ويجعل من الإنسان كائنا قادرا على التوازن رغم كل التصدعات.

غير أن ما بين الكلمات، كان هناك نص آخر يُكتب… نصٌّ لا تُدونه الأقلام، بل تحفظه القلوب. 

فالأم، في عمقها الفلسفي، ليست مجرد بداية بيولوجية، بل هي الوعي الأول الذي يلتقي فيه الإنسان بذاته. 

هي المرآة التي يرى فيها العالم قبل أن يراه، وهي اللغة التي يشعر بها قبل أن ينطقها.

الأم هي ذلك الكائن الذي يعيد تعريف الزمن؛ فهي الماضي الذي لا يمضي، والحاضر الذي لا يبهت، والمستقبل الذي يستمر عبرنا دون أن نشعر. 

هي المعنى الذي لا يختزل، واليقين الوحيد في عالم يعج بالاحتمالات.

ولعل أعظم ما في الأم أنها لا تعلن حضورها، بل تمارسه. لا تطلب الامتنان، لكنها تصنعه.

 ولا تسعى إلى الخلود، لكنها تترك أثرا لا يزول. 

إنها البساطة التي تحمل في طياتها أعقد أشكال العظمة، والهدوء الذي يخفي وراءه أعنف أشكال القوة.

في فيينا، لم يكن الاحتفاء بالأم حدثًا… بل كان كشفا. كشفا عن تلك الحقيقة التي نؤجلها دائمًا

أن كل ما نحن عليه، بدأ من هناك… من قلب لم يعرف يوما كيف يتعب من العطاء.

الأم… ليست حكاية تُروى، بل سر يعاش

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.